بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

مُبِين

حين يتحول التحكيم إلى وصاية

فى بلد يقترب عدد سكانه من مائةٍ وعشرين مليون إنسان، يكفى أن يكون واحد فى المائة فقط منهم مبدعين، لنقف أمام أكثر من مليون موهبة محتملة. وهورقم يتجاوز تعداد دول كاملة، ولا يمكن التعامل معه بخفة أو اختزاله فى توصيف عام أو نبرة تعميمية. حين يُخاطَب هذا الكم الهائل من الكتّاب بلغة توحى بأن السواد الأعظم منهم «كاتب خواطر»، فإن الرسالة لا تذهب إلى نصوص بعينها، بل تُلقى على جيل بأكمله يحاول أن يجد لنفسه مكانًا فى عالم شديد التنوع والسرعة. هنا لا يصبح النقد فعل إضاءة، بل يتحول إلى خطاب يزرع الشك فى جدوى الكتابة ذاتها لدى هؤلاء الشباب.
والأخطر فى هذا الخطاب، إنه إذا أُخذ على إطلاقه، فلن يبقى محصورًا فى جائزة «ساويرس» وحدها، بل ينسحب على المشهد القصصى كله فى مصر، ويضع علامات استفهام كبرى حول كل الجوائز التى كرّمت القصة القصيرة فى عام ٢٠٢٥. كيف يمكن الجمع بين حكم شامل بالتواضع وعدم الخبرة، وقرارات تحكيم أخرى رأت فى النصوص نفسها أو فى نصوص موازية قيمة تستحق التقدير والجوائز؟ هل أخطأت كل هذه اللجان على مدار عام كامل؟.
ومن هنا تبرز أهمية اختيار لجان التحكيم بوصفها لبّ الأزمة. فالتحكيم الأدبى ليس مهمة إدارية، بل فعل إبداعى موازٍ للكتابة ذاتها، ويحتاج إلى مبدعين يمتلكون مقومات القراءة والكتابة بل والاختلاف. فحين تُدار الذائقة النقدية بعقل الموظف لا بروح المبدع، يتحول الحكم إلى سلطة عُليا، وتغيب اللغة التحليلية الخاصة بكل نص. ولا يعنى هذا الاعتراض على مبدأ حجب الجوائز، فالحجب حق مشروع فى كبريات الجوائز العالمية، ويُمارَس حين تقتضى النزاهة ذلك، لكن هذا الحق يجب أن يتوقف عند حدود النص، ولا يمتد إلى كرامة من كتبه. فالنقد الذى يخلط بين تقييم العمل وإهانة صاحبه يفقد جوهره، ويتحول من فعل ثقافى إلى وصاية فوقية، والإبداع لا يمكن أن ينمو بالخوف من ذائقة المحكّم، ولا يزدهر بالتوبيخ ولغة التأديب وحجب الجائزة.
وليست أزمة جائزة ساويرس الأخيرة فى قرار حجب المركز الأول، لكن الأزمة الحقيقية تكمن فى الخطاب الذى قُدِّم به القرار، كما ظهر فى كلمة الكاتب جرجس شكرى، ولا يتوقف أثر هذا الخطاب المتعالى عند حدود القصاصّين الشباب، بل يمتد ولو ضمنيًا إلى أحفاد رواد أسّسوا لفن القصة القصيرة فى مصر والعالم العربى، يوسف إدريس، يحيى حقى، محمود تيمور، نجيب محفوظ، محمد حافظ رجب، محمد المخزنجى. فهؤلاء لم يكتبوا نماذج محدودة فى هذا الفن السردى، بل دخلوه من أبوابه الرحبة، وجعلوا منه كائنًا حيًا يتغير مع الزمن. والتقليل من الامتدادات المعاصرة لكل هؤلاء، هو مساس بروحهم المؤسسة، لا مجرد رأى عابر فى موسم ثقافى واحد. لذلك، ما تحتاجه الثقافة اليوم ليس أحكامًا من الأعلى صوتًا، بل خطابات أعمق وعيًا، تُدرك أن احترام المبدع ليس نقيض الصرامة، بل شرطها الأول.