مفهوم المديح النبوي وموعد نشأته في الإسلام
يعرف المديح النبوي بأنه فن شعري أصيل نشأ مع ظهور الإسلام، ويُعنى بتمجيد النبي -صلى الله عليه وسلم- والثناء على خصاله وشمائله، وبدأ هذا الفن في حياة النبي واستمر بعد وفاته، حيث اعتُبر المديح بعد الوفاة خطابًا للأحياء لا رثاءً، وتميّز شعراء كبار في هذا المجال مثل حسان بن ثابت، وكعب بن زهير، والبوصيري، وأحمد شوقي، وانتشر المديح النبوي بفضل ارتباطه بالتصوف والعاطفة الدينية الصادقة، وأصبح جزءًا من الأدب العربي الراقي.
تعريف المديح النبوي لغة واصطلاحًا
والمديح لغةً هو مدحه، أثنى عليه بما له من الصفات.
والمديح أيضًا هو ما يُمتدح به، وجمعها: المدائح، كما في الوسيط، وأن هذه الصفات عريقة فيه وفي قومه.
واصطلاحًا هو الثناء على ذي شأن بما يُستحسن من الأخلاق النفيسة كرجاحة العقل، والعفة، والعدل، والشجاعة. [موسوعة التاريخ الإسلامي، أحمد شلبي، ج٥ - ص١٢٧١].
نشأة المديح النبوي
وقد كان العرب متفرقين، لا يجمعهم شمل، ولا يخضعون لأمير واحد، إلى أن جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بدعوته إلى الإسلام في قريش، ودعا إلى وحدة العرب واتحادهم، واجتماعهم تحت دين واحد وراية واحدة، لينقذهم مما هم فيه من فوضى التفرّق ودمار الحروب. فهزت دعوته -صلى الله عليه وسلم- قلوبهم، وامتدت إلى الممالك المجاورة، حتى إذا بلغها ما كان عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- من تعلق بالحق، والوفاء، والقناعة، وعلو المرتبة في البلاغة، والفصاحة، والبيان، والسياسة، ومن مكانة في الشجاعة، وقيادة الجيوش، هالها أمره، وأذهلها خطره، فانصرف بعضهم إليه، وبعضهم عنه، ووقف شعراء يتصدّون للهجوم عليه، كما وقف شعراء آخرون في الدفاع عنه وامتداحه. [معجم الأدباء: ياقوت الحموي ٣١/٢٥٥]
وأكثر المدائح قيل بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، إذ إن ما يُقال في حق الرسول بعد وفاته لا يُسمى رثاء، وإنما يسمى (مدحًا)، كأنهم لاحظوا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موصول الحياة، وأنهم يخاطبونه كما يخاطبون الأحياء. [الخطط والآثار: للمقريزي ٢/٢٤٦ وما بعدها]
وقد كان هذا المديح أول الأمر يقتصر على امتداح خصاله وشمائله -صلى الله عليه وسلم- ورسالته وهو حي، فلما قضى، انصرف الشعراء إلى الثناء عليه، وتعداد صفاته، والإشادة بالدين الإسلامي. وهذا يُعد من المدائح، لأنه يُتوجه به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنه موجود حي، يناديه المادح ويناجيه، فيسمعه ويلبّيه. ولأنه يحقق مبادئ هذا الفن، من تمجيد شجاعته، واستحسان أخلاقه ومزاياه، وإعجاب بصباحة وجهه. فالقصائد التي قيلت بعد وفاته هي مديح.