بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أستراليا تشدد الخناق على السوشيال ميديا وتحذف مئات الآلاف من حسابات القُصّر

ميتا Meta
ميتا Meta

في خطوة غير مسبوقة عالميًا داخل دولة ديمقراطية، بدأت تداعيات قرار أستراليا بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عامًا في الظهور سريعًا، بعدما أعلنت شركة «ميتا» حذف ما يقرب من 550 ألف حساب خلال أسابيع قليلة فقط من دخول القانون حيز التنفيذ.

وقالت «ميتا»، في بيان نشرته عبر منصة Medium، إنها أغلقت نحو 330 ألف حساب على إنستجرام، و173 ألف حساب على فيسبوك، إضافة إلى 40 ألف حساب على منصة Threads، بعد التأكد من أنها تعود لأطفال دون السن القانونية وفقًا للتشريع الأسترالي الجديد.

 وأوضحت الشركة أن الالتزام بالقانون «سيكون عملية متعددة المستويات وقابلة للتطوير»، لكنها أعادت التأكيد على مخاوفها المستمرة بشأن صعوبة تحديد عمر المستخدمين على الإنترنت في ظل غياب معيار موحد على مستوى الصناعة.

ودخل قانون الحد الأدنى لسن استخدام منصات التواصل الاجتماعي حيز التنفيذ في أستراليا في 10 ديسمبر الماضي، ليصبح أول تشريع من نوعه في دولة ديمقراطية يفرض حظرًا صارمًا على وصول القُصّر إلى هذه المنصات. ويشمل القرار 10 منصات رئيسية، من بينها فيسبوك، إنستجرام، تيك توك، سناب شات، إكس، ريديت وتويتش، مع تهديد الشركات المخالفة بغرامات قد تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي، أي ما يعادل نحو 33 مليون دولار أمريكي.

وتلجأ المنصات المختلفة إلى وسائل متنوعة لتحديد عمر المستخدمين، تشمل تحليل أنماط النشاط الرقمي، والاستعانة بالصور الشخصية أو ما يُعرف بـ«تقدير العمر عبر السيلفي»، في محاولة للامتثال للقانون دون اللجوء إلى أنظمة تحقق رسمية موحدة قد تثير جدلًا واسعًا حول الخصوصية.

غير أن هذا التشريع لم يمر دون اعتراضات حادة من بعض الشركات. فقد تقدمت منصة ريديت بدعوى قضائية ضد الحكومة الأسترالية، معتبرة أنها لا تندرج بالمعنى التقليدي ضمن منصات التواصل الاجتماعي، ومشيرة إلى أن إدراجها ضمن القانون يثير «قضايا خطيرة تتعلق بالخصوصية وحرية التعبير السياسي». ويعكس هذا التحرك حجم التوتر بين شركات التكنولوجيا والحكومات بشأن حدود التنظيم والمسؤولية الرقمية.

أما «ميتا»، فرغم التزامها العملي بالقانون، لم تُخفِ معارضتها له. إذ ترى الشركة أن منع المراهقين من استخدام وسائل التواصل قد يؤدي إلى عزلهم عن مجتمعات الدعم الرقمية، ويحد من قدرتهم على التواصل وطلب المساعدة، خاصة في القضايا النفسية والاجتماعية. 

كما حذرت من أن الحظر قد يدفع القُصّر إلى التوجه نحو «أجزاء أقل تنظيمًا من الإنترنت»، حيث تقل أدوات الحماية والرقابة.

وتشير «ميتا» أيضًا إلى تحديات أخرى، أبرزها تفاوت أساليب التحقق من العمر بين المنصات، وغياب اهتمام حقيقي بالامتثال من جانب بعض المراهقين وأولياء الأمور، ما يجعل تطبيق القانون بشكل عادل ومتوازن أمرًا معقدًا، ومع ذلك، فإن حذف ما يقرب من نصف مليون حساب خلال شهر واحد فقط يوضح أن القرار لا يمر دون تكلفة مباشرة على شركات التكنولوجيا الكبرى.

ويرى مراقبون أن هذه الأرقام تعكس تأثيرًا ملموسًا على قاعدة مستخدمي «ميتا»، وبالتالي على عوائدها الإعلانية، في وقت تواجه فيه الشركة بالفعل انتقادات متزايدة بشأن تعاملها مع سلامة الأطفال والمراهقين. فقد سبق أن وُجهت إليها اتهامات بتقليل حجم الأضرار التي قد يتعرض لها القُصّر على منصاتها، سواء من حيث المحتوى غير الملائم أو التأثيرات النفسية السلبية.

ويفتح القرار الأسترالي الباب أمام نقاش عالمي أوسع حول مستقبل تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي، وحدود مسؤولية الشركات في حماية الأطفال، والتوازن بين السلامة الرقمية وحقوق الخصوصية وحرية التعبير. كما يطرح تساؤلات حول إمكانية أن تحذو دول أخرى حذو أستراليا، خاصة مع تزايد القلق الدولي من تأثير المنصات الرقمية على الأجيال الأصغر سنًا.

في المحصلة، تبدو أستراليا وقد أرسلت رسالة واضحة لشركات التكنولوجيا: حماية القُصّر لم تعد خيارًا أو التزامًا أخلاقيًا فقط، بل واجب قانوني صارم، ستكون له تبعات مباشرة على نماذج الأعمال الرقمية، سواء رضيت الشركات بذلك أم لا.