بؤس السياسة بين ماكرون ومدبولى
خلال خطابه بمناسبة رأس السنة الجديدة فى 31 ديسمبر الماضى، عرض الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون خطته للعام المقبل متعهدًا بالبقاء فى منصبه حتى «الثانية الأخيرة من ولايته» المقرر انتهائها 2027، فى هذا التوقيت ودَّع الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء العام المنصرم بكلمات تحت عنوان «القائد تاجر الأمل» وهى مقولة منسوبة لـ«نابليون بونابرت»، وقال سيادته إن تلك الكلمات الثلاث تصف ما تحقق على أرض مصر خلال عقد تقريبًا، تجسدت فيها الآمال على أرض الواقع ليس بعصا سحرية ولكن بأعوام من الجهد والعرق، وتروس عمل تدور دون تراخٍ أو إنقطاع، ختمها بتجديد العهد على مواصلة مسيرة بناء الوطن.
فى الوقت الذى وصف فيها البعض كلمات الدكتور مدبولى بأنها خطاب الوداع، واستشعر آخرون أن تلك السطور إيذانًا برحيل الحكومة، لم يمر خطاب ماكرون السنوى مرور الكرام ، فقد جاءت افتتاحية صحيفة «فيجارو» الفرنسية فى اليوم التالى بقلم «ألكسيس بريزيه» تحت عنوان: «بؤس السياسة وأمل فرنسا»، متخليًا عن تقديم التهانى المعتادة احتفاءً بالعام الجديد، موضحًا أنه إذا كان عام 2024 عامًا كارثيًا، فإن عام 2025 كان أسوأ بكثير!، وقال: كنا نعتقد أننا وصلنا إلى الحضيض، لكن الحقيقة تفرض علينا أن نقول إننا سقطنا إلى ما هو أعمق، لدرجة أن فرنسا لم تقدم مشهدًا حزينًا إلى هذا الحد أمام العالم منذ عام 1945.
يقول «بريزيه» متعجبًا: كادت أمتنا التعيسة أن تعتاد على المصائب التى ألمّت بها، أزمة اقتصادية، وانهيار مالى، وركود صناعى، وكارثة تعليمية، وانعدام أمن متفشٍ، وهجرة غير منضبطة، كل ذلك فى ظل انهيار ديموغرافى، كان ذلك روتينيًا، إذا جاز التعبير، تمامًا مثل هذا الشعور بالانهيار البطيء على الساحة الدولية، لكن خطورة المشكلة كانت مخفية وراء المظاهر الخارجية لحسن سير آلية الدولة، ربما كانت السفينة تغرق لكن الجسر كان متينًا، كان المبنى مُضاءًا بشكل رائع وأعطى الطاقم إنطباعًا أنهم ثابتون فى مواقعهم.. هذا الوهم المطمئن هو ما تحطم هذا العام!، رئيس وزرائنا التعيس، الذى قد يفتخر بكونه أضعف شخصية فى الجمهورية الخامسة، يُجبر على المساومة، على شروط بقائه، هكذا ينتهى بنا المطاف بالتضحية بمصالح البلاد من أجل هذا الاستقرار المقدس، الذى يراه البعض أفضل وسيلة للبقاء فى مناصبهم الوزارية، ويرى آخرون أنه أفضل سبيل للبقاء فى مقاعدهم البرلمانية.
لم يمر خطاب ماكرون عند هذا الحد، فتناولت «هيلين دى لوزون» مراسلة مجلة «ذا يوروبيان كونسيرفاتيف conservative European» فى باريس، الخطاب تحت عنوان «أمنيات ماكرون القاتمة» فى عام من البؤس، مشيرة إلى أن المستقبل الوحيد الذى يقدمه الرئيس للشعب الفرنسى هو الموت حرفيًا ومجازيًا، ووصفت ظهوره بالوضع غير اللائق، وقالت: إن ماكرون بدأ خطابه كالعادة بتهنئة نفسه على نجاحات افتراضية، متخليًا عن مسؤولية إخفاقات البلاد، التى وصفها بأنها مجرد «مشكلات» ناتجة كليًا عن عوامل خارجية، مؤكدة أن السمة الأبرز فى خطاب الرئيس الفرنسى هى عجزه التام عن التفكير بمنطق، فبينما يطالب الفرنسيون باستعادة زمام مصيرهم إما بحل البرلمان أو باستقالة الرئيس، فضّل ماكرون استحضار مفهوم غامض عن «الوقت السياسى المناسب»، ليُبرّر نيّته للعمل باجتهاد حتى نهاية ولايته، اختتمت «هيلين دى لوزون» تقريرها بكلمة لرئيس اتحاد الحقوقيين من أجل الجمهورية يقول فيها: أمنيتنا الوحيدة لفرنسا هى أن يرحل حتى يبدأ الانتعاش.
الخلاصة: حالة الانتقاد الحاد لخطاب ماكرون، هى تجسيد حى للفارق الكبير بين ما نحب أن نقول وما يجب أن نقول، حالة ترسم خطوط فاصلة بين الوهم والواقع، سياجًا بين البؤس والأمل، حدودًا بين ما تريد السلطة سماعه وبين ما يجب أن يُقال لها بوضوح دون مواربة أو خوف أو تردد.
ختامًا: يقول نابليون بونابرت إن الرأى العام هو مقياس الحرارة الذى يجب على الملك مراجعته باستمرار.
حفظ الله مصر وأهلها من كل سوء.