بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قفزة الرقائق الكبرى.. الصين تتجاوز مستهدفاتها في توطين معدات صناعة الشرائح

الصين
الصين

 في خطوة تعكس تسارعًا لافتًا في مساعي الاستقلال التكنولوجي، حققت الصين تقدمًا غير متوقع في مجال توطين معدات تصنيع أشباه الموصلات خلال عام 2025، متجاوزة الأهداف التي وضعتها لنفسها قبل أشهر قليلة فقط، فبحسب تقارير صينية، ارتفعت حصة المعدات المطورة محليًا إلى 35 في المئة بنهاية العام، مقارنة بـ25 في المئة في عام 2024، وهو رقم فاق المستهدف الرسمي البالغ 30 في المئة.

 هذا التقدم السريع لم يكن مجرد تحسن تدريجي، بل قفزة حقيقية دفعت حتى المخططين في بكين إلى إعادة تقييم وتيرة التطور داخل قطاع يُعد من أكثر القطاعات تعقيدًا وحساسية على مستوى العالم. فصناعة معدات الرقائق لا تتطلب فقط استثمارات ضخمة، بل تعتمد على تراكم طويل من الخبرات الهندسية والمعرفة التقنية، وهي عناصر كانت حتى وقت قريب حكرًا على شركات أميركية وأوروبية ويابانية.

 الهدف المعلن من هذه السياسة يتمثل في تقليل الاعتماد على الموردين الأجانب، خصوصًا الشركات الأميركية الكبرى مثل Applied Materials وLam Research وKLA، التي طالما هيمنت على سوق معدات تصنيع الشرائح المتقدمة. ومع تصاعد القيود التكنولوجية المفروضة على الصين في السنوات الأخيرة، بات الاعتماد على القدرات المحلية خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه.

 اللافت أن التقدم لم يقتصر على المعدات الثانوية أو الأقل تعقيدًا، بل شمل مراحل محورية في عملية تصنيع الرقائق. ففي مجالات دقيقة مثل الحفر والترسيب بالغشاء الرقيق، تجاوزت نسبة استخدام المعدات المحلية حاجز 40 في المئة، وهو ما يعكس تحسنًا ملموسًا في جودة وأداء هذه التقنيات مقارنة بالسنوات السابقة.

 شركات صينية مثل Naura Technology Group وAdvanced Micro-Fabrication Equipment لعبت دورًا محوريًا في هذا التحول. فقد تمكنت هذه الشركات من تطوير حلول تنافسية نجحت في تلبية احتياجات المصانع المحلية، سواء من حيث الأداء أو الاعتمادية، وهو ما شجع شركات تصنيع الرقائق على تبنيها على نطاق أوسع.

 هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن سياسة صناعية واضحة. فالحكومة الصينية كثفت خلال العام الماضي برامج الدعم والحوافز، سواء عبر التمويل المباشر أو تسهيل الوصول إلى سلاسل التوريد المحلية، إضافة إلى توجيه غير مباشر لشركات أشباه الموصلات لتفضيل الموردين المحليين كلما أمكن ذلك. هذه البيئة الداعمة ساعدت على تسريع وتيرة التجارب والتطبيقات الصناعية للمعدات المطورة محليًا.

 من زاوية اقتصادية، يعكس هذا التقدم محاولة صينية لتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الخارج، خصوصًا في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة. فمعدات تصنيع الرقائق تُعد عنق الزجاجة الحقيقي في الصناعة، وأي قيود على توريدها قادرة على تعطيل خطوط الإنتاج بالكامل، مهما كانت قدرات التصميم أو التصنيع المتاحة.

 مع ذلك، لا يعني هذا الإنجاز أن الصين باتت مكتفية ذاتيًا بشكل كامل. فما زالت بعض التقنيات المتقدمة، خاصة في تصنيع الرقائق فائقة الدقة، تعتمد على معدات أجنبية يصعب استبدالها على المدى القصير. لكن القفزة التي تحققت في 2025 تشير إلى أن الفجوة تضيق بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا.

 على المستوى العالمي، يثير هذا التقدم تساؤلات حول مستقبل سوق معدات أشباه الموصلات. فزيادة حصة الموردين الصينيين محليًا قد تعني تراجعًا نسبيًا في الطلب على الشركات الغربية داخل السوق الصينية، التي تُعد من أكبر أسواق العالم. كما قد يشجع ذلك دولًا أخرى على إعادة التفكير في سياسات الاعتماد على موردين محدودين في صناعات استراتيجية.

 تكشف الأرقام الجديدة عن مرحلة جديدة في مسار صناعة الرقائق الصينية، مرحلة تتسم بجرأة أكبر وثقة متزايدة في القدرات المحلية. وإذا استمرت هذه الوتيرة، فقد تتحول أهداف الاكتفاء الذاتي من شعارات سياسية إلى واقع صناعي ملموس، يغير خريطة المنافسة في واحدة من أهم صناعات العصر الرقمي.