«ثُريّا».. حين تسير الحياة عكس جنازة الموت
يأتي فيلم «ثُريّا» للمخرج أحمد بدر كعمل سينمائي محمّل بالدلالات التاريخية والرمزية، ومشحون بوعي واضح تجاه علاقة الإنسان المصري بجذوره الأولى، وبالأخص في صعيد مصر، ذلك الإقليم الذي ظل عبر العصور خزّانًا للحكايات الأثرية والطقوس والأساطير والهوية غير القابلة للمحو. الفيلم مُهدى بوضوح إلى روح اثنين من أهم من اشتغلوا على الذاكرة المصرية بصريًا وفكريًا: المخرجة عطيات الأبنودي، والمخرج شادي عبد السلام، وهو إهداء لا يأتي بوصفه تحية شكلية، بل كامتداد طبيعي لانتماء الفيلم لعالم الآثار، والتراث، والبحث عن جوهر الهوية المصرية.
يفتتح الفيلم بمقولة مأخوذة من كتاب الموتى، أحد أهم الوثائق الدينية والجنائزية في مصر القديمة، وهو اختيار ذكي يؤسس منذ اللحظة الأولى لعلاقة الفيلم بفكرة الخلود والأبدية، لا باعتبارها مفهوماً غيبيًا فقط، بل بوصفها صراعًا إنسانيًا مستمرًا من أجل البقاء، والذاكرة، والهوية. هنا يضعنا المخرج أمام مفتاح قراءة أساسي: ثُريّا ليست مجرد فتاة، بل امتداد رمزي لحفيدة المصريين القدماء.
شخصية ثُريّا تُقدَّم بوصفها نموذجًا للمرأة المصرية الأصيلة، ليس فقط من حيث الملامح أو الانتماء المكاني، ولكن من حيث القوة الداخلية، والتمرد، والإصرار على الحفاظ على الذات في مواجهة منظومة قهر اجتماعية واقتصادية متجذرة. المخرج يتعامل مع المرأة هنا باعتبارها العنصر الإنساني المُشكِّل للحياة، الفاعل الأساسي في استمرارها، في إحالة واضحة إلى مكانة المرأة في الحضارة المصرية القديمة، حيث كانت شريكة في الخلق، لا تابعة له. وكأن الفيلم يقول بشكل غير مباشر: بانكسار المرأة، تنكسر الحضارة، وباختفائها تنقرض الحياة.
ينطلق الخط السردي للفيلم من أزمة إنسانية بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها: مرض شقيق ثُريّا، وعجز الأب عن علاجه، واضطراره للنزول إلى الأرض والعمل رغم كبر سنه ومرضه. هذا النزول لا يُقدَّم فقط كفعل اقتصادي اضطراري، بل ككسر لتقاليد القرية الراسخة، التي ترفض أن تنقلب الأدوار أو تُمسّ الصورة النمطية للرجل. ثُريّا، في المقابل، تُصر على مساعدة أبيها، وتتمرد على هذا الرفض، مؤكدة أن الكرامة لا تتناقض مع العمل، وأن التقاليد التي تُهين الإنسان لا تستحق القداسة.
ومع تطور الأحداث، ينكشف لنا السياق الصعيدي الأوسع الذي يدور فيه الفيلم: عالم التنقيب غير الشرعي عن الآثار، وفتح المقابر، واستباحة التاريخ من أجل المال. هنا يظهر العمدة بوصفه رمزًا للسلطة الفاسدة التي تستغل ضعف البشر، فيساوم الأب العاجز على فتح المقبرة، ويشترط تقديم “قربان” أو فدية، والقربان هذه المرة هو ثُريّا نفسها. في هذا الطرح، لا يُقدم الفيلم الجريمة بوصفها حدثًا فرديًا، بل كمنظومة متكاملة من الاستغلال، حيث يُباع الجسد، وتُداس الكرامة، ويُنهب التاريخ في صفقة واحدة.
قرار ثُريّا بالهرب يمثل لحظة تحوّل محورية في الفيلم، ليس فقط على مستوى الحدث، بل على مستوى الوعي. هي لا تهرب خوفًا، بل رفضًا لأن تكون ضحية، أو قربانًا لفساد لم تصنعه. وعندما تتم عملية فتح المقبرة دون قتلها، تعود ثُريّا لتأخذ حقها بيدها، وتقطع الحبل على من نزلوا إلى باطن الأرض. هذا الفعل يحمل دلالة رمزية شديدة القوة: من خان الأرض، تُغلق عليه الأرض، ومن تعامل مع التاريخ بوصفه غنيمة، يُدفن داخله.
على المستوى البصري، يعتمد أحمد بدر على كادرات سينمائية شديدة الدقة في رسم ملامح شخصية ثُريّا وعلاقتها بالأرض. الكاميرا تتعامل مع الجسد الأنثوي لا بوصفه موضوعًا للفرجة، بل كجزء من المشهد الطبيعي، من التراب، من الحقول، من الجذور. كما يوظف المخرج المشاهد الجنائزية والعويل الشعبي ليخلق حالة من التناقض البصري والدرامي، خصوصًا في المشهد اللافت الذي تظهر فيه ثُريّا كالشخصية الوحيدة الملونة، تسير عكس اتجاه الجنازة. هذا المشهد يُجسد ببلاغة فكرة التمرد والسير عكس التيار، وكأن ثُريّا هي الحياة التي ترفض الانضمام إلى موكب الموت.
العلاقة بين ثُريّا وخالها تمثل بعدًا فلسفيًا مهمًا داخل الفيلم، خاصة في قوله لها إن سبب تيه الإنسان هو فقدانه لهويته. هذه الجملة تختصر جوهر الفيلم كله: الضياع ليس فقرًا ولا مرضًا ولا قهرًا فقط، بل هو انفصال عن الجذور، عن الذاكرة، عن معنى الانتماء. ثُريّا، في اختياراتها، وفي مقاومتها، تبدو كمن تحاول إعادة وصل ما انقطع بين الإنسان وتاريخه.
في المجمل، يُقدم فيلم «ثُريّا» تجربة سينمائية قصيرة لكنها كثيفة، تجمع بين البعد الأسطوري والواقعي، بين الهم الإنساني والطرح الحضاري، وبين جماليات الصورة وعمق الفكرة. هو فيلم لا يكتفي بسرد حكاية، بل يطرح سؤالًا مفتوحًا حول الهوية، والمرأة، والتاريخ، والثمن الذي يدفعه الإنسان حين يتحول الماضي إلى سلعة، والإنسان إلى قربان ، جدير بالذكر أن العمل كان فيلم افتتاح مهرجان الإسماعيلية، في عرضه العالمي الأول بالدورة ال٢٦ من مهرجان الإسماعيلية السينمائي الدولي وعرض خلال فعاليات مهرجان القاهرة للفيلم القصير فى دورته السابعه