محمد محسن نائب رئيس مجلس إدارة شركة البحر المتوسط لتداول الأوراق المالية:
تدفقات الأموال الساخنة تتحدى خفض الفائدة
27 مليون جنيه مستهدف رأس مال الشركة
فلسفة من يدرك أن التقدم لا يولد ولا يبنى على العشوائية، فمن يحسن خوض المغامرة، لا يراهن على الحظ.. بل على الرؤية، والاستعداد، وحسن التقدير، بإمكانك أن تسعى للتقدم دون أن تحرق المراحل.. قدرة على السير على الحافة بثبات، وعلى اقتناص الفرص فى توقيتها، لا بعد فوات الأوان، اعرف متى تتوقف بقدر ما تعرف متى ينطلق.. فى هذا النوع من المغامرة، لا يترك النجاح للصدفة، ولا تدار المخاطر بالعاطفة، بل تُقرأ المعطيات ويوزن القرار.. وكذلك محدثى لا يطارد الفرص فحسب، بل يصنعها.. ويصعد بثبات، لا بضجيج.
القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد الدرجات التى صعدتها، بل بمقدار الجهد الذى بذلته، وبالثمن الذى دفعته لتصل إلى ما أنت عليه. قد يسبقك البعض فى المسافة، لكن القليل فقط يصل وقد صاغ طريقه بعرقه، لا بدفع خارجى أو صدفة عابرة.. وعلى هذا كانت مسيرته منذ الصبا.
محمد محسن، نائب رئيس مجلس إدارة شركة البحر المتوسط لتداول الأوراق المالية.. لا يتوقف عن السعى وراء الأفضل، كل تجربة يخوضها، تصنع منه نسخة أقوى، أكثر حكمة، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات، نتيجة حتمية، لمسيرته الناجحة.
على بعد خطوات قليلة من ميدانٍ يحمل اسم أحد رموز العسكرية المصرية، ذلك هو ميدان المساحة بالدقى الشاهد على مرحلة فارقة من تاريخ القاهرة؛ ميدان لم يكن مجرد نقطة عبور، بل محطة انطلاق لأعمال المساحة وتخطيط المدن، ارتبط اسمه بالهندسة والعسكرية معا، فى زمن كان فيه التوسع العمرانى فعلًا وطنيًا ورؤية مستقبلية.. عمارة لا تروى جدرانها الصماء حكاية حجر وأسمنت، بل تختزن بين طبقاتها سنوات من تاريخ المنطقة، وملامح أجيال مرت من هنا، كلٌ ترك أثرًا، وكل أثر صار شاهدا على زمنه.
فى الطابق السادس، حيث ينتهى الممر عند المدخل الرئيسى، تتجسد الحركة فى صورتها الأكثر انضباطا؛ خلية نحل لا تهدأ.. وجوه تعرف مهامها جيدًا، وإدارات تعمل بتناغم دقيق، كل منها يؤدى دوره بثقة ومسئولية، فى مشهد يعكس فلسفة العمل قبل أن يعلنها.
على يسار المدخل، تقع الغرفة التى تُدار منها دفة الأمور؛ غرفة لا تُقاس مساحتها بالأمتار، بل بثقل قراراتها. تُرسم القواعد، وتُصاغ التوجهات، مكتب يتوسط المكان، على سطحه جهاز كمبيوتر لا يعد مجرد أداة، بل نافذة مفتوحة على عالم متغير لا يعترف بالثبات. أوراق متناثرة تحمل بين سطورها خريطة يوم كامل من العمل، خلف تلك الأوراق، يستقر دفتر قديم، أوراقه متهالكة، لكن مضمونه حى نابض. يسجل ملحمة مسيرة؛ بداية متواضعة، محطات شاقة، مطبات قاسية لم تكن يومًا سببًا للتراجع، بل تحولت إلى طاقة دفع، وإلى وقود حقيقى للاستمرار.. كل صفحة تحكى درسًا، وكل سطر يختصر تجربة، حتى وصلت الحكاية إلى قناعة راسخة، صاغها صاحبها فى عبارة واحدة تختصر فلسفة كاملة.
حماس وتفكير، رؤية لا تعرف التجميل ولا تجامل الواقع، تؤمن بنقل الصورة كما هى دون تهويل.. يقول إن «عام 2025 حمل فى طياته تحديات حقيقية لعدد من الملفات الاقتصادية الحساسة، إلا أن الدولة استطاعت، عبر إدارة واعية ومتدرجة، أن تعيد ضبط إيقاع المشهد الاقتصادى. فقد نجحت فى تحقيق قدر ملحوظ من الاستقرار فى سعر الصرف، مدعومة بحزمة إصلاحات اقتصادية هيكلية، إلى جانب الأثر الإيجابى لصفقة رأس الحكمة التى تم إبرامها خلال الربع الأول من عام 2024، فضلًا عن القفزات القوية فى تحويلات المصريين العاملين بالخارج، والتى مثلت قناة رئيسية لتدفقات النقد الأجنبى».
هذا التماسك بحسب تحليله انعكس بشكل مباشر على انحسار معدلات التضخم، مما أتاح للدولة مساحة أوسع للمضى قدمًا فى استكمال مسار الإصلاح، والانتقال إلى مرحلة جديدة تحمل التيسير النقدى، عبر خفض متتالٍ لأسعار الفائدة، ورغم تلك التخفيضات، لم تتأثر تدفقات الأموال الأجنبية إلى أدوات الدين، وهو ما يعكس ثقة المستثمرين فى متانة الاقتصاد وقدرته على الوفاء بالتزاماته، بالإضافة إلى أن خفض أسعار الفائدة حمل تداعيات إيجابية ممتدة، إذ دعم سياسات التوسع الاقتصادى، وشجع الشركات على الاقتراض المدروس، وتمويل خطط التوسع فى مشروعاتها الاستثمارية، بما عزز معدلات النمو وخلق قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد.
يتابع أن «الدولة نجحت فى التعامل مع بند خدمة الدين بكفاءة لافتة، وهو ما تُرجم فعليًا فى قدرتها على سداد التزاماتها من الدين الخارجى فى مواعيدها، بما يعزز مصداقيتها المالية ويؤكد قدرتها على إدارة التحديات بأدوات واقعية ومتوازنة».
< إذن.. ما رؤيتك للمشهد الاقتصادى خلال عام 2026؟
< بهدوءٍ يعكس عمق الرؤية، وبنبرة لا تعرف الانفعال، يجيبنى قائلا إن «حزمة الإجراءات الإصلاحية التى تتبناها الحكومة، وتعمل على استكمالها جنبًا إلى جنب مع المؤشرات الإيجابية للاقتصاد، ومع الاستمرار فى خفض أسعار الفائدة، تمثل معًا نقطة انطلاق حقيقية للاقتصاد الوطنى. فهى تهيئ بيئة مواتية لدعم المشروعات الاستثمارية، وتعزز من قدرة الشركات على التوسع والنمو، وفى الوقت ذاته تفتح المجال أمام تدفقات الأموال الأجنبية، بما يرسخ مسار التعافى».
الإصرار والمرونة، معادلة دقيقة تمنحه تميزا واضحا فى قراءة المشهد، وهو ما ينعكس بوضوح فى تناوله للتحديات الداخلية للاقتصاد، يتحدث عنها بواقعية لا تتجاهل الصعوبات ولا تضخمها، واضعا فى الصدارة أسعار الطاقة والوقود، باعتبارها عاملًا محوريًا فى دفع معدلات التضخم، وما يترتب عليها من تأثيرات ممتدة على تكلفة الإنتاج وحركة الأسواق، وبنفس الاتزان، يربط بين الداخل والخارج، مشيرًا إلى التحديات الجيوسياسية وما تفرضه من ضغوط على مسار الاقتصاد، فضلًا عن ملف الديون الخارجية الذى يتطلب، بحسب رؤيته، تعزيز وتكثيف التدفقات الاستثمارية، كأحد المسارات الرئيسية للحفاظ على التوازن المالى وضمان استدامة النمو.
الأهداف الكبرى لا تصادفها القفزات المفاجئة، بل تصنع عبر الثبات على الطريق، وبالإيمان ذاته يرى أن السياسة النقدية نجحت فى ترسيخ الاستقرار بسوق الصرف، ومن ثم دعم استقرار الاقتصاد ككل، من خلال توظيف أدواتها بكفاءة ومرونة، فقد انتقلت بين السياسة الانكماشية حين اقتضت الضرورة، عبر رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، وبين خفضها تدريجيًا مع تراجع معدلاته، فى إدارة متوازنة تعكس قراءة دقيقة للواقع، وفى إطار ذلك يتوقع استكمال مسار التيسير النقدى على مدار عام 2026، بما قد يصل إلى نحو 5%، مع الحرص فى الوقت ذاته على الحفاظ على معدلات العائد الحقيقى، بما يضمن التوازن بين تحفيز النمو وعدم الإخلال بجاذبية الاستثمار، كما أن استمرار تدفقات الأموال الساخنة رغم التخفيضات المتتالية فى أسعار الفائدة، يمثل مؤشرًا واضحًا على قوة الاقتصاد الوطنى، وصلابة عوامل استقراره، إلى جانب الاحترافية المتزايدة فى الترويج للمنتج والاستثمار الوطنى، بوصفهما ركيزتين أساسيتين لجذب رؤوس الأموال وتعزيز الثقة.
< كيف ترى إجراءات تعزيز المرونة فى السياسة المالية؟
علامات ارتياح ترتسم على ملامحه قبل أن يجيبنى قائلا إن «الحكومة تمضى بخطوات مدروسة نحو تقديم مزيد من الحزم التحفيزية للإنتاج، إدراكًا منها لأهمية تحريك عجلة النمو الحقيقى. غير أن التحديات التى يفرضها ملف السياسة المالية، وما يمر به من ضغوط، تفرض بدورها قدرًا أكبر من المرونة والتيسيرات، بهدف تعظيم إيرادات الضرائب دون الإخلال بمعدلات النشاط الاقتصادى».
يشير إلى أن الدولة تعمل على توسيع قاعدة الاقتصاد الرسمى عبر دمج أنشطة الاقتصاد غير الرسمى داخل المنظومة الرسمية، مستندا فى ذلك إلى التحول الرقمى كأداة رئيسية، لا تسهم فقط فى الحوكمة ورفع كفاءة التحصيل، بل تفتح آفاقًا أوسع للانضباط والشفافية، بما يعزز استدامة الموارد ويدعم مسار الإصلاح المالى.
حصيلة طويلة من التجارب والمحطات صقلت خبراته، وهو ما ينعكس بوضوح فى قراءته لملف الاستثمار الأجنبى المباشر. إذ يوضح أن السوق المحلى نجح فى الاحتفاظ بحصة كبيرة من الاستثمارات الأجنبية، مستندًا إلى مجموعة من العوامل الجوهرية التى تعزز جاذبيته، فى مقدمتها الانفتاح الواسع على الأسواق الأفريقية، وما تمثله مصر من ثقل استراتيجى داخل هذا الفضاء الاقتصادى، بما يتيح فرص نفاذ وتوسع حقيقية للمستثمرين.
يضاف إلى ذلك حجم الاستهلاك المحلى المدفوع بالكثافة السكانية الكبيرة، والذى يوفر سوقًا داخليًا قادرًا على امتصاص الإنتاج وتحقيق الاستدامة للمشروعات، ومع توافر منظومة متكاملة من العوامل الداعمة، تتجسد الميزة التنافسية للسوق المصرى، باعتباره بيئة تجمع بين الموقع، والطلب، والفرص، بما يعزز قدرته على جذب الاستثمارات والحفاظ عليها فى آن واحد، مع ضرورة تقديم الدعم للقطاع الخاص الذى لا يزال يعانى ويواجه أزمات، باستثناء اتجاه الدولة إلى خفض أسعار الفائدة، وتقديم المبادرات لتشجيع القطاع الخاص.
لا يزال ملف برنامج الطروحات الحكومية محل اهتمام واسع من المراقبين والخبراء، فى ظل التساؤلات المتزايدة حول وتيرة تنفيذه وتأخر بعض مراحله، وفى هذا السياق، يرى محدثى أن نجاح البرنامج لا يُقاس بالسرعة، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة الطرح ذاته، واختيار التوقيت والسوق المناسبين، إلى جانب الترويج الاحترافى القادر على إبراز القيمة الحقيقية للأصول المطروحة.
ويؤكد أن هذا الدور المحورى فى الترويج يقع على عاتق الشركات العاملة فى سوق المال، بما تمتلكه من خبرات وأدوات تسويقية وقدرة على الوصول إلى شريحة واسعة من المستثمرين، وهو ما يضمن تحقيق الأهداف المرجوة من البرنامج، سواء على صعيد جذب الاستثمارات أو تعظيم العائد للدولة.
< ماذا تحتاج البورصة فى عام 2026؟
< صمت ثقيل لبضع لحظات، قبل أن يقطعه بتصور واضح ورؤية حاسمة، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة تفرض تشديد الرقابة على الشركات المقيدة حديثًا، عبر التدقيق الصارم فى المستندات، وإجراء زيارات رسمية لمقار تلك الشركات، بالتوازى مع طرح شركات جديدة قادرة على تعميق السوق، والحد من ممارسات التلاعب، وترسيخ قواعد أكثر انضباطًا وعدالة.
الفرصة يصنعها بالبحث المستمر، وبالشغف وهو سر نجاحه، استطاع مع مجلس الإدارة فى عام 2025 أن يحقق استراتيجية الشركة بزيادة رأس مال الشركة من 10 ملايين جنيه إلى 17 مليون جنيه، وكذلك العمل على تطوير البنية التكنولوجيا، والحفاظ على الحصة السوقية للشركة، مع الحملات الترويجية عن سوق المال، يسعى لاستكمال مستهدفات الشركة، باستمرار استكمال تطوير البنية التكنولوجية، تقديم خدمات «الموبايل أبلكيشن» وكذلك توسع أفقى عبر فتح فروع بالمحافظات، ورأسى بإدخال منتجات جديدة بالإضافة إلى زيادة رأس مال الشركة بقيمة 10 ملايين جنيه إلى 27 مليون جنيه، وكذلك تمويل شراء المؤسسات، بالإضافة إلى شراء حصة فى شركة ترويج وتغطية اكتتابات.
يحول الطموحات إلى أفعال وهو سر تميزه، يحث أولاده على الاجتهاد والسعى، لكن يظل شغله الشاغل العمل على تعزيز ريادة الشركة.. فهل يستطيع ذلك؟