خارج المقصورة
الباب الثالث
يظل الباب الثالث من قواعد قيد وشطب الأوراق المالية أحد أهم وأخطر الأبواب التنظيمية داخل منظومة سوق المال، إذ لا يشبه غيره من الأبواب الستة، كونه بمثابة المايسترو الذى إن انضبط، استقامت أوضاع الشركات المقيدة، وصانت حقوق المستثمرين، وارتفعت كفاءة السوق ككل.
هذا الباب، الخاص بـمتطلبات الإفصاح، قد يدفع البورصة المصرية إلى إعادة النظر فى الغرامات المفروضة على الشركات المخالفة، خاصة فى ظل تدنى قيمتها الحالية، التى لا تتجاوز فى أغلب الحالات ما بين 10 آلاف و20 ألف جنيه، وهو ما أفقدها أى أثر رادع.
يضم باب متطلبات الإفصاح 6 مواد محورية توضح بدقة أنماط المخالفات الأكثر شيوعًا بين الشركات المقيدة.. فالمادة 27 تتعلق بالإفصاح عن البيانات والمعلومات الجوهرية، ومدى التزام الشركات بالإعلان عنها، إلى جانب مراجعة أوجه الانحراف بين النتائج الفعلية المحققة، وما ورد بتقارير المستشار المالى المستقل بشأن القيمة العادلة، أو خطط العمل المعتمدة من الراعى، لا سيما فى الشركات الصغيرة والمتوسطة.
أما المادة 28 فتتناول كل الأحداث الطارئة على الشركة، سواء كانت أخبارًا جوهرية أو أحكامًا قضائية قد تؤثر على مركزها المالى أو قرارات المستثمرين، فى حين تختص المادة 32 بالأحداث الجوهرية الصادرة عن مجلس الإدارة، بينما تتعلق المادة 34 أيضًا بمتطلبات الإفصاح والإخطارات ذات الصلة.
وبالانتقال إلى المادتين 46 و47، فإنهما تمثلان أحد أبرز مواطن الخلل، إذ ترتبطان بالقوائم المالية، وما يعتريها من تأخير أو قصور فى الإفصاح، وتكمن الخطورة الحقيقية فى أن الغرامات المقررة حاليًا ضعيفة للغاية، بما يشجع بعض مجالس الإدارات على تكرار المخالفات دون خشية، إذ لا تمثل هذه الغرامات عبئًا يُذكر على متخذى القرار، بينما يتحمل صغار المستثمرين وحدهم تكلفة هذا التسيب، سواء فى صورة خسائر أو اهتزاز الثقة.
فى ضوء ذلك، لم يعد أمام البورصة سوى اتخاذ إجراء فورى وحاسم، عبر مضاعفة الغرامات إلى أكثر من الضعف، حماية لسمعة السوق وتعزيزًا لجاذبيته الاستثمارية، أمام المستثمرين الأجانب الذين يولون ملف الإفصاح والحوكمة أهمية قصوى.. ويتقاطع هذا المشهد مع تدنى عقوبات التلاعب التى لا تزال عند مستوى 20 مليون جنيه، فى وقت يحقق فيه بعض المتلاعبين مكاسب بمليارات الجنيهات، ما يجعل سداد الغرامة أمرًا هينًا لا يحد من الظاهرة، بل يشجع على التوسع فيها، وهو ما يستدعى بدوره إعادة نظر شاملة فى فلسفة العقوبة.
< يا سادة.. ليس عيبًا أن تعيد الجهات الرقابية، سواء البورصة أو الهيئة العامة للرقابة المالية، تصحيح المسار، بل إن ذلك ضرورة ملحة لتحقيق كفاءة السوق، واستقراره، وحماية أموال المستثمرين، وصون الثقة التى تمثل حجر الأساس لأى سوق مالية ناجحة.