التكنولوجيا وعالم المعرفة
يعيش العالم المعاصر تحوّلات كبرى في بنيته الاقتصادية والفكرية، إذ لم تعد الثروات الطبيعية ولا الموارد التقليدية معياراً للسيادة والتقدم، بل أصبحت المعرفة والتكنولوجيا هما الوقود الحقيقي لعصر جديد يعرف بـ "اقتصاد المعرفة". هذا الاقتصاد لا يقوم على الامتلاك المادي، بل على القدرة على الابتكار والإنتاج المعرفي، وعلى تحويل الأفكار إلى قيمة مضافة ومردود اقتصادي وتنموي ذي أثر بيّن. ومن هنا، التكنولوجيا اليوم أصبحت المنظومة الفكرية والعلمية التي تُعيد صياغة طرق الإنتاج والتفاعل والتبادل في عالم تحكمه السرعة والمعرفة.
تُعرّف التكنولوجيا بأنها التطبيق العملي للمعرفة والعلوم من أجل ابتكار سلع وخدمات جديدة أو تحسين ما هو موجود منها. وتشمل كل ما يتعلق بالتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والاتصالات الحديثة التي جعلت العالم أكثر ترابطاً وسرعة، وغيّرت الطريقة التي نفكر ونعمل وننتج بها.
أما عالم المعرفة، فهو البيئة التي تُنتج فيها الأفكار والمعلومات ويتم تخزينها وتبادلها بهدف تطوير أدوات جديدة وتوسيع مجالات الابتكار. إنه الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد الحديث، حيث أصبحت المعلومة والمعرفة أهم من الموارد المادية نفسها.
وبين هذين المفهومين، تتجسد علاقة تكاملية ومتداخلة؛ فالتكنولوجيا تساعد على إنتاج المعرفة ونشرها بسرعة غير مسبوقة، بينما المعرفة هي التي تغذي التطور التكنولوجي وتمنحه المعنى والاتجاه. فكلما زادت المعرفة، تطورت التكنولوجيا، وكلما تطورت التكنولوجيا، ازدادت قدرة الإنسان على اكتساب معرفة جديدة واستثمارها في تطوير الحياة والاقتصاد.
في العالم العربي، ما زالت هذه العلاقة في طور التكوّن، إذ تشكّل التكنولوجيا والمعرفة فرصة لإعادة بناء المشهد الاقتصادي بالكامل، من طريقة عمله وهيكله واتجاهاته. فالانتقال من نموذج يعتمد على الموارد الطبيعية إلى نموذج يقوده الابتكار يعني بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة. كما أن توظيف التقنيات الحديثة في الصناعة والخدمات يسهم في رفع الكفاءة الإنتاجية، ويخلق بيئة استثمارية جاذبة قادرة على استقطاب رؤوس الأموال العالمية. ومن خلال التحول الرقمي، تُفتح أمام ريادة الأعمال العربية آفاق جديدة، حيث تبرز الشركات الناشئة في مجالات التقنية والبرمجيات بوصفها محركاً للتنمية وفرصة لتمكين الكفاءات الشابة.
غير أن الطريق نحو هذا التحول ليس بالأمر السهل. فالاقتصاد العربي لا يزال يواجه فجوة تكنولوجية ومعرفية واسعة مقارنة بالعالم المتقدم، تتضح في ضعف البنية التحتية الرقمية، وتفاوت مستويات الاتصال بالإنترنت بين الدول، فضلاً عن محدودية الاستثمار في البحث العلمي الذي لا يتجاوز في معظم الحالات 1% من الناتج المحلي الإجمالي.
كما يعاني العالم العربي من نقص في الكفاءات المتخصصة وهجرة العقول إلى الخارج، إضافة إلى اعتماد شبه كامل على التكنولوجيا المستوردة وضعف التشريعات المنظمة للاقتصاد الرقمي وحماية البيانات، ما يقلل من القدرة التنافسية ويجعل عملية التحول أكثر بطئاً وتعقيداً.
لمواجهة هذه التحديات، ينبغي على الاقتصادات العربية أن تضع البحث العلمي في قلب استراتيجياتها التنموية، وأن تُعيد النظر في أنظمة التعليم لتصبح مؤسساتها منصات لتخريج العقول المبدعة لا المقلدة، وأن تُعيد بناء مؤسساتها على أسس رقمية حديثة تتيح تسريع التحول إلى حكومات ذكية واقتصادات رقمية متكاملة.
كما يتطلب الأمر بناء شبكات تعاون عربية في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي، وربط مراكز البحث بالقطاع الخاص، لتكوين دورة إنتاج معرفي قادرة على الابتكار. نجاح هذا المسار لا يتوقف على حجم الموارد المالية بقدر ما هو معتمد على وجود الرؤية الاستراتيجية التي تؤمن بأن المعرفة هي حجر الأساس لبناء اقتصاد قادر على التجدد الذاتي والنمو المستدام.
العلاقة بين التكنولوجيا والمعرفة هي التي يمكن أن تمنح الاقتصاد العربي ملامحه المستقلة. ما يجب أن يدركه صناع القرار وراسمي السياسات هو أن المستقبل لن يفتح أبوابه لمن يسير خلفه، بل لمن يشارك في صناعته. ولهذا فإن القضية ليست بسرعة اللحاق، بل في إنتاج فكر عربي قادر على توجيه التكنولوجيا نحو غايات تعكس قيم المنطقة وطموحاتها.