مسار القهوة
عيد الميلاد المجيد… قيم إنسانية تتجدد ووحدة وطنية راسخة
يحل عيد الميلاد المجيد في السابع من يناير من كل عام، حاملاً معه دلالات روحية وإنسانية عميقة، تتجاوز حدود المناسبة الدينية لتؤكد منظومة من القيم المشتركة التي تجمع في رحابها أبناء المجتمع، وفي مقدمتها المحبة والسلام والتسامح وقبول الآخر. ويأتي هذا العيد لدى الإخوة المسيحيين الأرثوذكس احتفالًا بميلاد السيد المسيح، عليه السلام، رمز الرحمة والدعوة إلى الخير.
ويمثل عيد الميلاد المجيد في مصر مناسبة خاصة؛ إذ يتحول إلى مشهد وطني جامع، يعكس عمق العلاقات التاريخية والإنسانية بين أبناء الوطن الواحد. وقد اعتادت الدولة المصرية عدّ هذا اليوم إجازة رسمية، في تأكيد واضح على ترسيخ مبدأ المواطنة الكاملة، كونه إحدى الركائز الأساسية لبناء الدولة الحديثة.
وتأتي هذه المناسبة في وقت يشهد فيه العالم تحديات متزايدة، من صراعات إقليمية وأزمات اقتصادية واضطرابات اجتماعية، الأمر الذي يبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة القيم الإنسانية الأصيلة التي دعت إليها الأديان السماوية، وفي مقدمتها نبذ العنف، وترسيخ ثقافة الحوار والتفاهم. ويجسد عيد الميلاد المجيد فرصة سنوية للتأمل في هذه القيم، وإعادة التأكيد على أن التعايش السلمي هو السبيل الوحيد لضمان استقرار المجتمعات وتقدمها.
وتُعد مشاهد التهنئة المتبادلة والمشاركة الوجدانية بين المسلمين والمسيحيين في مصر تعبيرًا صادقًا عن روح الوحدة الوطنية، التي أثبتت عبر التاريخ قدرتها على تجاوز الأزمات والتحديات. كما تعكس هذه المشاهد وعيًا مجتمعيًا متجذرًا بأن الاختلاف في العقيدة لا يُفسد للود قضية، وأن الانتماء للوطن يظل القاسم المشترك الأعلى.
ولا يقتصر الاحتفال بعيد الميلاد المجيد على الطقوس الدينية فحسب؛ بل يمتد ليشمل بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا، تتجلى فيه قيم التكافل والتراحم، ومساندة الفئات الأكثر احتياجًا، بما يعكس جوهر الرسالة التي جاء بها السيد المسيح، الداعية إلى الرحمة والمحبة وخدمة الإنسان.
وفي النهاية، يبقى عيد الميلاد المجيد مناسبة لتجديد الأمل، وتأكيد الإيمان بقيم التعايش والوحدة، ورسالة واضحة بأن قوة الوطن الحقيقية تكمن في تماسك نسيجه الاجتماعي، واحترام تنوعه، والعمل المشترك من أجل مستقبل أكثر استقرارًا وسلامًا لجميع أبنائه.
أستاذ الإعلام المساعد بكلية الآداب - جامعة المنصورة.
[email protected]