الزاد
الأرقام أم التأثير
يحاول البعض، فى زمن «السوشيال ميديا»، أن يقنع الناس – أو حتى يقنع نفسه – بأنه ناجح وموجود على أرض الواقع، عبر استعراض أرقام ضخمة تخص نشاطه: عدد المشاهدات، عدد المستمعين، حجم الحضور، عدد الليالى، أو كم مرة قُدِّم العرض هنا وهناك. أرقام تُلقى فى الوجوه كأنها شهادة نجاح لا تقبل الجدل.
لكن الحقيقة أن النجاح الحقيقى لا يُقاس بهذا المعيار السطحى. فالأرقام، مهما بدت براقة، ليست سوى مؤشر تجارى بحت، لا يعكس بالضرورة قيمة ما يُقدَّم ولا عمق أثره. النجاح يُقاس بالتأثير الحقيقى فى القاعدة الجماهيرية، وبالمردود الفكرى والفنى والثقافى الذى يتركه العمل فى الوجدان والوعى.
الدليل واضح أمامنا: مغنو المهرجانات الشعبية كانوا – ولا يزال بعضهم – الأكثر مشاهدة واستماعًا على المنصات الرقمية، لكنهم فى النهاية تحوّلوا إلى فقاقيع هواء، ضجيج عابر بلا أثر حقيقى فى مسار الحياة الفنية أو الثقافية. الأرقام صنعت وهجًا مؤقتًا، لكنها لم تصنع قيمة باقية.
العبرة ليست بعدد الليالى المسرحية، ولا بعدد من شاهدوا فيلمًا سينمائيًا، ولا بحجم الإيرادات التى حققها العمل؛ فهذه لغة التجار، لا لغة الفنان أو المثقف. الفن رسالة، والثقافة بناء، ومنطق السوق لا يصلح معيارًا وحيدًا للحكم على الإبداع.
ما يجب أن نعيه جيدًا أن التأثير الحقيقى هو قدرتك على التوغل فى الوجدان، وعلى الوصول إلى الناس بصدق، وعلى ترك أثر يبقى بعد أن تنطفئ الأضواء وتُطوى اللافتات. تأثيرك هو سر وجودك، أما الأرقام فهى مجرد تفاصيل عابرة… قد تخدع، لكنها لا تصنع تاريخًا.