هل تحاول أمريكا إعادة صياغة العالم وفرض واقع جديد بالقوة والصدمة؟
ليس من قبيل المصادفة أن تتسارع الأحداث الدولية بهذا الإيقاع غير المسبوق، ولا أن تتزامن الضغوط في أكثر من اتجاه جغرافي وسياسي واقتصادي في وقت واحد.
ما نشهده اليوم لا يبدو مجرد ردود أفعال متفرقة، بل أقرب إلى منهج متكامل يعتمد على الصدمة، ورفع السقف، وفرض الأمر الواقع قبل أن يستعيد العالم توازنه أو يلتقط أنفاسه.
في النطاق القريب من الولايات المتحدة، عادت واشنطن للتعامل مع فنزويلا وكوبا والمكسيك بمنطق “الحديقة الخلفية” القديم، لكن بأدوات أكثر خشونة بدءاً بالعقوبات، والسيطرة على الأصول، والضغط البحري، وحتى الاستيلاء على ناقلات نفط ترفع أعلاما ً سيادية لدول كبرى، لم تعد خطوات استثنائية، بل رسائل مباشرة مفادها أن السيادة الاقتصادية باتت قابلة للمصادرة إذا تعارضت مع المصالح الأمريكية.
الرسالة هنا لا تُوجَّه لتلك الدول وحدها، بل لكل من يفكر في الخروج عن الإيقاع المفروض.
أما أوروبا، فالعلاقة معها لم تعد علاقة حلفاء بالمعنى الكلاسيكي، بل شراكة مشروطة بالقوة. فنجد أن ملف الطاقة كشف هشاشة الاستقلال الأوروبي، وجعل القارة العجوز رهينة معادلات لا تصنعها وحدها؛ وفي هذا السياق لم يكن طرح فكرة الاستحواذ على جرينلاند مجرد زلة لسان أو استعراض سياسي، بل إشارة فجة إلى أن منطق المصالح الجيوسياسية قد يتقدم على كل الاعتبارات القانونية والتاريخية، حتى داخل المعسكر الواحد.
أوروبا فهمت الرسالة، لكنها لم تحسم بعد كيف ترد عليها.
وعلى خط موازٍ، تدير الولايات المتحدة صراعاً طويل النفس مع الصين، لا يستهدف كسرها دفعة واحدة، بل إبطاء صعودها، وتقييد تمددها التكنولوجي، والتحكم في سلاسل الإمداد الحيوية .. هو صراع اقتصادي في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره خوفا ً استراتيجياً من عالم لم تعد فيه أمريكا اللاعب الأوحد. وفي المقابل، تُبقي واشنطن روسيا غارقة في حرب استنزاف مفتوحة في أوكرانيا، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، في نموذج دقيق لحروب الوكالة المدروسة.
هذه التحركات المتوازية تشير إلى أن الولايات المتحدة لا تسعى بالضرورة إلى بناء نظام عالمي جديد متماسك، بقدر ما تحاول إعادة كتابة قواعد اللعبة القديمة بما يضمن استمرار تفوقها، أو على الأقل تأجيل لحظة تراجعها.
سياسة الصدمة هنا ليست غاية، بل أداة؛ تهدف إلى إرباك الخصوم، وتطويع الحلفاء، ومنع تشكّل توازنات بديلة قبل أن تنضج.
لكن السؤال الأهم يظل مطروحا ً: هل تنجح هذه المقاربة؟
التاريخ يخبرنا أن القوة وحدها، مهما بلغت، لا تصنع استقرارا ً طويل الأمد، وكلما تسارعت الصدمات، زادت احتمالات الأخطاء غير المحسوبة، وظهور ردود أفعال من أطراف لم تكن في الحسبان، فالعالم اليوم أكثر ترابطاً ، وأقل قابلية ً للانصياع الكامل، حتى وإن بدا صامتا ً في بعض اللحظات.
توقعات القادم :
إذا استمرت واشنطن في هذا المسار، فمن المرجّح أن نشهد مزيدا ً من الضغوط الاقتصادية وتكثيفا ً لاستخدام أدوات السيادة المالية والبحرية، مع الحرص على تجنّب الحروب الشاملة قدر الإمكان .. غير أن هذه السياسة، مهما بدت حاسمة، لا تتحرك في فراغ، فالكثير من الصدمات التي تُصنع في العناوين الكبرى، تمتد خيوطها بهدوء إلى ساحات أكثر حساسية، حيث تُدار موازين القوة بعيدا ً عن الأضواء، وتُختبر قدرة الدول على الصمود والتكيّف في مناطق تبدو مشتعلة، لكنها في الحقيقة جزء من معادلة أوسع تُدار من خارجها.
وفي المقابل، ستتزايد محاولات القوى الكبرى والمتوسطة للبحث عن مساحات استقلال، وتحالفات مرنة، ونماذج التفاف على منظومة الهيمنة في عالم بات أقل قابلية للانصياع الكامل، حتى وإن بدا صامتا ً في بعض اللحظات.
أمريكا تحاول إعادة صياغة المشهد بسرعة، لكن السرعة نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف؛ فالتاريخ لا يُعاد تشكيله بالصدمات وحدها، بل بقدرة القوى على استيعاب حدود قوتها قبل أن تتجاوزها.