غرق الهيمنة الأمريكية في البحار السبعة
لم تسقط الإمبراطوريات العظمى يومًا فجأة،
بل سقطت حين اعتقدت أن القوة تكفي لتحل محل القانون،
وأن السلاح يمكنه أن يُغني عن الشرعية،
وأن الخوف أصلح من التوازن.
هذا هو الوهم الذي دخلته الولايات المتحدة مع صعود دونالد ترامب.
فمنذ اليوم الأول لوصوله إلى الحكم،
لم يتصرف كرئيس منتخب،
بل كحاكم يرى العالم غنيمة،
والقانون الدولي عائقًا،
والتحالفات القديمة قيودًا يجب كسرها.
لم يكن ما فعله ترامب سلسلة أخطاء أو نزوات شخصية،
بل مشروعًا متكاملًا لهدم نظام العولمة،
واستبداله بنظام إمبراطوري جديد،
يقوم على القوة الخشنة،
والاقتصاد الأسود،
والغطاء الديني،
والابتزاز السياسي.
ومن هنا،
لم تبدأ القصة بفنزويلا… بل بدأت عندما قرر رجل واحد
أن يعيد كتابة قواعد العالم بالقوة.
كانت ضربته الأولى حرب الرسوم الجمركية، حربٌ كلفت العالم تريليونات الدولارات ولم تستثنِ حتى أقرب حلفاء واشنطن.
لم تكن خطأ في الحساب، بل إعلان نهاية قواعد التجارة الحرة.
ثم جاءت الضربة الثانية سياسية،
عندما طالب أوروبا وأوكرانيا علنًا بالاستسلام،
والخضوع لفلاديمير بوتين،
والاعتراف بروسية الأراضي التي احتلتها موسكو.
لم يكن ذلك الا رسالة تخلي عن أوروبا
أما الضربة الثالثة…
فكانت إعلان حرب صريح على القانون الدولي نفسه.
إعلانًا عسكريًا، لا لبس فيه:
خطف رئيس دولة ذات سيادة — نيكولاس مادورو.
ما حدث في فنزويلا لم يكن انحرافًا عابرًا في مسيرة ترامب،
بل كان ذروة تحالف المال والدين واليمين الأبيض والمنظمات الصهيونية
لتأسيس نظام عالمي جديد، نظام ما بعد العولمة،
حيث يُنصَّب ترامب إمبراطورًا لا يُحاسَب.
عندما رفض نيكولاس مادورو تنفيذ الأوامر الأمريكية:
إقصاء الصين من بلاده
وضع فنزويلا تحت “حماية” ترامب
وتسليم ثرواتها للشركات الأمريكية
كانت لائحة الاتهام جاهزة سلفًا:
“مادورو يقود عصابة دولية لتجارة المخدرات”.
اتهامٌ كاذب،
ودعاية أمريكية مكشوفة.
لم يكشف ترامب زيف الرواية عندما قال إن الهدف هو نفط فنزويلا فقط،
بل كشفها عندما كرر الأسلوب نفسه مع رئيس كولومبيا.
قبل أيام، وصف ترامب الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو بأنه:
“تاجر مخدرات، وعليه أن يحمي مؤخرته… فهو الهدف التالي بعد مادورو”. ثم، وبلا أي تفسير، عاد ليعلن أنه تحدث مع بيترو،
ووصف الاتصال بأنه “شرف عظيم”،
ودعاه إلى البيت الأبيض في “المستقبل القريب”.
كيف يتحول “تاجر كوكايين” خلال أيام إلى رئيس محترم يُستقبل في واشنطن؟
بماذا وعده رئيس كولومبيا؟
هل بحصة مجانية من الكوكايين؟
تُستخدم عائداتها في تمويل عمليات المخابرات الأمريكية
لإخضاع أنظمة أمريكا الجنوبية،
وهدم ما تبقى من النظام العالمي؟
في عالم الاستخبارات الأمريكية،
هناك قاعدة غير مكتوبة لكنها مقدسة:
ما لا يستطيع الكونجرس تمويله علنًا،
تموّله الدولة سرًا… ولو بالمخدرات.
عام 1979،
عندما سقطت نيكاراغوا في يد حكومة يسارية بقيادة الساندينيستا، رأت واشنطن شبح “كوبا جديدة”.
أمر لا يُحتمل في ذروة الحرب الباردة. مع الإتحاد السوفيتي
الحل؟
إنشاء ميليشيات “الكونترا”. المشكلة؟ الكونجرس رفض التمويل. الحل البديل؟
الانتقال إلى اقتصاد الظل.
وهكذا وُلدت فضيحة إيران–كونترا:
بيع سلاح لإيران
تحويل العائد لتمويل منظمة الكونترا
لكن ما لم يُكتب في العناوين: المخدرات كانت المسار الموازي للتمويل.
لجنة كيري خلصت صراحةً إلى أن حكومة الولايات المتحدة
شاركت في أنشطة تهريب مخدرات.
ووكالة المخابرات المركزية أقرت بذلك.
وفي عام 1996،
نشر الصحفي غاري ويب تحقيقه الشهير Dark Alliance،
موثقًا كيف أغرقت شبكات مرتبطة بالكونترا أحياء السود في لوس أنجلوس بالكوكايين،
بينما كانت الأجهزة الفيدرالية تعلم… وتصمت.
ولم تكن تلك الواقعة استثناءً.
في عملية “كوندور”،
استُخدمت تجارة الكوكايين
لتمويل دعم أنظمة ديكتاتورية في: بوليفيا، باراجواي، تشيلي.
برنامج “60 دقيقة الأمريكي ” الشهير
عرض بالأدلة كيف ساهمت المخابرات الأمريكية
في جلب المخدرات من أمريكا الجنوبية
وبيعها داخل الولايات المتحدة
لتمويل عملياتها السياسية.
أما الدليل الأوضح،
فكان الطيار باري سيل،
الذي عمل لصالح الـ CIA
وساعد بارون المخدرات الكولومبي بابلو إسكوبار وزعيم عصابة كارتل ميديلينوفي نقل الكوكايين إلى الداخل الأمريكي على متن طائرات الوكالة،
محققًا أرباحًا أسبوعية لا تقل عن 420 مليون دولار.
من هنا،
يصبح انتقال ترامب من الهجوم على رئيس كولومبيا
إلى مديحه ليس لغزًا،
بل صفقة.
وفي الإطار المعاكس،
يثبت ذلك أن خطف مادورو
لم يكن “حربًا على المخدرات”،
بل خرقًا فاضحًا للقانون الدولي وعقابًا لرئيس رفض الخضوع.
ما حدث في كاراكاس لم يكن انقلابًا داخليًا.
لم يُهزم مادورو في القصر الرئاسي، بل هُزم عندما:
شُلّت الرادارات
انقطعت الكهرباء
انهارت منظومة القيادة والسيطرة
قُصفت العاصمة بما يشبه
قنبلة هيروشيما رقمية،
جعلت المقاومة غير فعالة.
سقط ما يقارب 100 قتيل حاولوا إنقاذ رئيسهم المختطف.
لكن الرواية الأمريكية عن “الخيانة الداخلية”
لم تكن سوى حرب نفسية فاشلة بهدف دفع فنزويلا للفوضي
ولكن المفاجأة التي صعقت ترامب ورغم التهديد والوعيد
بعد خطف مادورو،
لم يتغير النظام. تولت ديلسي رودريغيز الرئاسة،
وهي بوليفارية أكثر تشددًا من مادورو
وحافظت على الاستقرار والنظام العام.
خرجت الجماهير الفنزويلية يوميًا تطالب بإطلاق سراح رئيسها.
لم تقطع فنزويلا علاقاتها مع: الصين، روسيا، كوبا، إيران.
لم تسلّم نفطها مجانًا.
وهكذا انكشفت كذبة ترامب بأنه “سيطر على فنزويلا”.
و يبدو أن عليه ان يبحث عن كذبة اخري تبرر خطف مادورو
ولن ندهش اذا أعلن ترامب انه خطف مادورو لأي سبب اخر
حتي لو كان تعاونه مع الصين وإيران و كوبا لتنفيذ عمليات إرهابية داخل أمريكا..
وعندما أدرك ترامب فشله في إخضاع فنزويلا سياسيًا، بعد خطف مادورو
ا نتقل إلى ما يجيده: الخنق المالي والقرصنة المقنّعة.
بدأ بخطف ناقلات النفط، هذه المرة ليست إيرانية
بل روسية
في خرقٍ جديد للقانون الدولي،
وإهانةٍ مباشرة لسمعة الولايات المتحدة نفسها.
لكن هذه القرصنة ليست رد فعل، بل إشارة تحذير. لرئيس فنزويلا عليك أن ترضخي والا لن تجد الأموال التي تنفي بها علي شعبك .
والرسالة الأخطر كانت للعالم
فترامب بخطفه السفينة تبحر في عرض المحيط
لا يتحرك داخل حدود “مبدأ مونرو” فقط، بل يوسّع الخريطة.
هدفه ليس فنزويلا
بل السيطرة على البحار السبعة،
وعلى أهم المسطحات والممرات المائية في العالم.
من هنا،
لا يصبح غريبًا الربط بين: ما يحدث في البحر الكاريبي
وما جرى في شمال الأطلسي
وما يشتعل في بحر العرب ومضيق باب المندب في جنوب اليمن و أرض الصومال
التزامن ليس صدفة. والجغرافيا لا تكذب.
في باب المندب،
كانت بصمات الجيش الأمريكي حاضرة قبل اشتعال الأحداث،
وقبل حتى اعتراف إسرائيل بأرض الصومال،
وقبل إعلان عيدروس الزبيدي الذي هرب إلى الإمارات
مشروع “دولة الجنوب”..
في نهاية نوفمبر الماضي، 2025 كان قائد القوات الأمريكية
أفريكوم" الجنرال داغفين . في هرجيسا عاصمة أرض الصومال بحضور وفد دبلوماسي وعسكري ...
ثم انتقل الي ميناء بربرة
لبحث تموضع الجيش الأمريكي،
ورسم خريطة النفوذ الأمريكية في القرن الإفريقي وبحر العرب.
ليثبت ذلك أن
الخريطة واحدة، والمسرح واحد،
والقائد واحد. ومن هذا السياق،
يمكن فهم انقلاب ترامب على حلف الناتو. فلم يكن الهجوم على الناتو بسبب كلفته المالية علي خزينة واشنطن كما ادعي ترامب ولا لأنه عبء عسكري،
بل لأنه قيد استراتيجي. ترامب يريد التخلص منه،
حتي يصبح بلا التزامات، أمام أوروبا
لذا كانت خطوته التالية إعلانه الصريح رغبته في ضم جرينلاند.
وفي الوقت ذاته، يدعم روسيا في ابتلاع أجزاء واسعة من أوكرانيا، حتي يضرب أمن أوروبا في مقتل. مما يسهل ابتزازها ولا تعترض علي تسليم جرينلاند لامريكا
ترامب سوف يستمر في لعبته لذي
ستُنقض الولايات المتحدة جميع الاتفاقيات الأمنية التي وقعتها. مع الحلفاء
وستتحول: أوروبا و تايوان و إيران
إلى ساحات حرب مفتوحة.
في هذا السياق، يمكن قراءة تصريح ترامب الأخطر: الذي صدر صباح الجمعة 9 يناير .وقال فيه
“قرار الصين بشأن تايوان يعود للرئيس شي جين بينج”.
هذا ليس تصريح سلام، بل تفويض للفوضى.
وفي الوقت نفسه، يعلن ترامب عن ميزانية عسكرية
تبلغ 1.5 تريليون دولار بزيادة 50%
علي ان يكون الجيش الأمريكي جاهز للمهام الجديدة بحلول 2027.
هذه ليست ميزانية دفاع، في دولة غارقة في ديون بأكثر من 36 تريليون دولار وعاجزة عن سداد التزاماتها.
هذه ميزانية إمبراطورية عسكرية تسعي للتوسع : بدل التنمية و المدارس والمستشفيات، اختار الدبابات،
وحاملات الطائرات، والقواعد العسكرية.
ليس للدفاع،
بل لإرهاب العالم،
ونهب الثروات بالمجان، وإعادة فرض هيبة الدولار
كعملة عالمية بالقوة.
المحطة الأولى: فنزويلا
الذريعة: تجارة المخدرات.
الحقيقة:
أكبر احتياطي نفطي على وجه الأرض.
الهدف: ارباح ضخمة لشركات النفط الأمريكية
المحطة الثانية: جرينلاند
الشعار: الأمن القومي.
الحقيقة: كنز المعادن النادرة، والبديل الاستراتيجي للصين،
وعصب الصناعات الحديثة: من الهواتف
إلى الأقمار الصناعية إلى الأسلحة المتقدمة.
المحطة الثالثة: كندا
هدف قديم. خططت الولايات المتحدة لغزوها
خلال الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي،
واليوم… يعيد ترامب فتح الملف.
المحطة الرابعة:
المكسيك، كولومبيا، كوبا،
وبقية أمريكا اللاتينية.
الذريعة المعلنة: المخدرات.
الهدف الحقيقي: إحكام القبضة الكاملة
على النصف الغربي من الكرة الأرضية.
وماذا بعد؟
بعد اكتمال السيطرة على النصف الغربي،
تبدأ المرحلة التي تحدّث عنها مونرو قبل قرنين: ولكن بنكهة ترامب التوجه للنصف الآخر من العالم. الذي مسرحه يجري إعداده بالفعل،
بتنسيق أمريكي–إسرائيلي، في:
سوريا
إيران
وسط آسيا
أستراليا
لمواجهة الصين،
بالتعاون مع اليابان، التي رفعت ميزانيتها العسكرية
إلى 58 مليار دولار، رقم غير مسبوق في تاريخ طوكيو.
يؤكد أن اليابان تستعد لحرب وشيكة
وفي أوروبا، تستعد ألمانيا لمواجهة روسيا، برلين رفعت ميزانية الدفاع هذا العام إلى رقم قياسي 608 مليارات دولار.
وهنا في شرق المتوسط،
تبني إسرائيل تحالفًا يضم: اليونان، قبرص، الهند،
الإمارات، البحرين،
في مواجهة تحالف: مصر، تركيا، السعودية، باكستان.
من تتبع هذه الأرقام والتطورات الجيوسياسية في العالم
يدرك أن هذه الدول
لن تكون جاهزة للحرب قبل بداية عام 2027،
وهو نفس العام الذي حدده ترامب
لجاهزية جيشه.
نحن سنكون أمام فوضى نووية محتملة. لن يفوز فيها من يمتلك القنبلة الأكبر،
بل من يستطيع: تحييد سلاح عدوه عبر تكنولوجيا
قطع الإشارة عن الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية..
وهذا المشروع الذي يسعي ترامب وادارته المتطرف لتطبيقه ومن أجله غير ترامب في سبتمبر 2025c اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى "وزارة الحرب
اسم يؤكد نوايا ترامب العدوانية تجاه العالم وبالقطع مشروع خطير علي العالم يحتاج غطاء أيديولوجي. حتي يجذب
اليمين المتطرف في العالم ليدعم هذا المشروع ويعطي له الزخم . خاصة ان
جزء كبير من اليمين الأبيض المتطرف، دينيًا وعرقيًا،
انتخب ترامب لأنه “المختار من الله”.
رغم أن سيرته
تنقض كل معنى للقداسة: فهو ارتكب جرائم تحرش بالأطفال وتورط في فضيحة إبستين، يكذب لديع أندية قمار.
باختصار،
لم يتبقَّ من الوصايا العشر
إلا القليل لم ينتهكه ترامب بعد.
ومع ذلك،
يُشبهه أنصاره بالملك داود:
“خاطئ، نعم، لكن الرب يستخدمه”.
هذا التشبيه
لا يصمد أمام الكتاب المقدس نفسه.
داود في سفر صموئيل والمزامير
شخصية معذبة،ومكسورة، تغرق في الشعور بالذنب والخوف.
بينما ترامب: يتفاخر بالعظمة،
يسخر من الآخرين،
يرفض الاعتراف بأي خطأ.
التشبيه بداود مجرد غطاء لتمرير الكثير من جرائم الابادة القادمة . ترامب يدرك اهمية هذا الدعم الأعمى.
قالها صراحة:
“يمكنني إطلاق النار على شخص في وضح النهار دون أن أفقد أي مؤيد”. هو ليس رئيس أمريكا فقط،
بل الزعيم الفعلي للمسيحية الأمريكية المتطرفة.
نتنياهو يصفه بـ
الملك كورش الوثني الذي أرسله الرب لإنقاذ إسرائيل...
وفي هذا السياق لا يوجد حاكم في وضع ترامب
يعتقد أن الله اختاره وأنقذه من الاغتيال
ليكون الإمبراطور الأخير يقبل بمنطق الانتخابات. مرة اخري وقد أعلنها ترامب لانصاره بوضوح
في يوليو 2024: “إذا أصبحت رئيسًا،
بعد أربع سنوات لن تضطروا للتصويت مرة أخرى”.
وهو محق… وفق منطقه.
فمع نهاية حكمه، ستكون أمريكا تخوض حرب نهاية العالم
ولا انتخابات في زمن الفوضى.
لكن هل سينجح ترامب وانصاره في الوصول لتلك المرحلة ؟
الدولة العميقة في أمريكا
تعرف الحقيقة: ترامب لا يعيد بناء القوة الأمريكية، بل يسرّع نهايتها. يعزّز الانقسام الداخلي، يجلب السخط العالمي،
يعزل أمريكا، ويحوّلها إلى مشهد ساخر ومقامر متهور.
ولهذا،
بدأت المواجهة. في 8 يناير، صوّت مجلس الشيوخ
بأغلبية 52 مقابل 47
لمنع ترامب
من أي عمل عسكري إضافي في فنزويلا
دون إذن الكونغرس. هذه ليست النهاية، بل البداية.
عبر القضاء، والكونغرس، والمظاهرات الشعبية،
سيُحاصر ترامب، ويُحوَّل إلى بطة عرجاء.
وفي المقابل، سوف
يتشكل محور عسكري مضاد. تحت مظلة البريكس،
بقيادة الصين وروسيا
حلف يحمي سفنه في البحار السبعة من قرصنة ترامب،
ويستعد لمواجهة حرب العام القادم…
الحرب التي يخطط لها التحالف الصهيو–ترامبي.
تاريخ الإمبراطوريات لا يرحم.
كلها تقريبًا سقطت للسبب ذاته،
لا لهزيمة واحدة،
ولا لضربة خارجية قاضية،
بل لإفراطها في استخدام القوة.
روما لم تنهَر عندما ضعفت جيوشها،
بل عندما صارت الجيوش أداتها الوحيدة.
إسبانيا لم تفقد إمبراطوريتها حين اكتشفت الذهب،
بل حين اعتقدت أن الذهب والسيف
كفيلان بإخضاع العالم إلى الأبد.
وبريطانيا لم تتراجع لأنها خسرت معركة،
بل لأنها أنهكت نفسها
في حماية إمبراطورية أكبر من قدرتها على الاحتمال.
القوة، حين تُستخدم بلا حدود،
تتحول من أداة بقاء
إلى سبب انهيار.
وهذا هو الفخ الذي يسير إليه مشروع ترامب.
فهو لا يعيد بناء النفوذ الأمريكي،
بل يستنزفه.
لا يرسخ الهيمنة،
بل يعجّل بتفككها.
ولا يصنع نظامًا عالميًا جديدًا،
بل يطلق فوضى لا يمكن السيطرة عليها.
التاريخ يخبرنا بشيء واحد مؤكد:
الإمبراطوريات لا تسقط عندما تُقاوَم،
بل عندما تفرط في استعمال قوتها
وتنسى أن العالم لا يُحكم إلى الأبد بالخوف.
وعندما تصل الإمبراطورية إلى هذه المرحلة،
لا يكون السؤال:
هل ستسقط؟
بل:
كم ستدمّر معها قبل أن تسقط؟