بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

جائزة ساويرس الثقافية والقوة الناعمة

لم يكن اختياري لموضوع رسالتي للماجستير، حول تأثير السينما والفن في تشكيل الصورة الذهنية لمصر، اختيارًا أكاديميًا مجردًا، بقدر ما كان محاولة لفهم كيف ترى الشعوب نفسها، وكيف يراها الآخرون، وقد خلصت نتائج الرسالة إلى حقيقة باتت اليوم شبه مؤكدة أن الفن والثقافة ليس ترفًا ورفاهية، بل أداة استراتيجية بالغة التأثير في صناعة صورة الدول، وترسيخ مكانتها، والتأثير في وعي الشعوب.
تجارب العالم من حولنا تؤكد هذه النتيجة، فالولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، تنفق مليارات الدولارات سنويًا على صناعة السينما، ليس بهدف الترفيه، وإنما لترسيخ صورة ذهنية محددة للجندي الأمريكي بوصفه "الذي لا يُقهر"، وهي صورة نجحت هوليوود في تصديرها عالميًا عبر عقود طويلة، وعلى الجانب الآخر، استثمرت تركيا ملايين الدولارات في الدراما التلفزيونية، وقدمت من خلالها صورة لبلد نظيف، جميل، رومانسي، ومفتوح على العالم، وهو ما انعكس بشكل مباشر على ازدهار السياحة لديها، وتحول الدراما إلى واحدة من أهم أدواتها الترويجية الناعمة.
أما مصر، فقد عرفت قيمة الفن مبكرًا، خاصة في ستينيات القرن الماضي، حين استطاعت السينما والمسرح والموسيقى أن تصنع صورة ذهنية مشرقة لمصر، وتؤسس لمكانتها بوصفها القلب الثقافي للعالم العربي.. صورة لم تكن مصنوعة بالدعاية المباشرة، بل بالإبداع الحقيقي، وبأعمال فنية ما زالت تعيش في الوجدان العربي حتى اليوم.
من هذا المدخل، بدت كلمة الدكتور محمد أبو الغار، رئيس مجلس أمناء جائزة ساويرس الثقافية، خلال حفل توزيع جوائز دورتها الحادية والعشرين، امتدادًا طبيعيًا لهذا الفهم، حين أكد أن الإبداع لا يمكن أن يزدهر دون حرية، وأن الكاتب أو الفنان لا يستطيع أن يقول ما لديه في مناخ مقيد أو خائف، كان يضع يده على جوهر المسألة، فالقوة الناعمة لا تُصنع بالأوامر، بل بالمساحة المفتوحة للتعبير، وبالثقة في المبدع وقدرته على طرح الأسئلة والاختلاف.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى جائزة ساويرس الثقافية باعتبارها نموذجًا عمليًا لدور المشاركة المجتمعية في دعم الإبداع، وتحويل الثقافة إلى فعل مؤثر ومستدام، فالجائزة التي وصلت هذا العام إلى دورتها الحادية والعشرين، لم تكن منذ انطلاقها مجرد مسابقة تمنح جوائز مالية، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، يراهن على الإنسان، ويمنحه الفرصة والثقة والاستمرارية.
استمرار الجائزة لأكثر من عشرين عامًا يعكس نجاح نموذج المؤسسة الأهلية القادرة على لعب دور حقيقي في المجال الثقافي، وبناء جسر من الثقة بينها وبين المبدعين في مختلف المجالات الإبداعية؛ من الرواية والقصة القصيرة، إلى السيناريو والمسرح والنقد، وهي ثقة لم تأتِ من فراغ، بل من نزاهة التحكيم، واحترام النص، والإيمان بأن القيمة الحقيقية تكمن في الإبداع ذاته، لا في الأسماء أو الألقاب.
والأهم من ذلك، أن جائزة ساويرس الثقافية لم تتوقف عند لحظة التتويج، بل أسهمت في تخريج أجيال من المبدعين الذين أصبحوا اليوم جزءًا مؤثرًا من المشهد الثقافي والفني المصري، فقد شكّلت الجائزة محطة فارقة في مسيرة أسماء مثل مريم نعوم، التي باتت واحدة من أبرز كاتبات السيناريو، ومحمد أمين راضي، الذي صنع لنفسه عالمًا دراميًا خاصًا، وإبراهيم الحسيني، الذي قدّم تجارب لافتة في الكتابة والدراما المسرحية، هؤلاء وغيرهم يمثلون دليلًا حيًا على أن دعم الموهبة في لحظتها الأولى قادر على صناعة تأثير ممتد، يتجاوز حدود الجائزة نفسها.
من هنا، تصبح جائزة ساويرس الثقافية جزءًا أصيلًا من معركة الحفاظ على القوة الناعمة المصرية، ليس عبر الشعارات، بل من خلال دعم حقيقي للإبداع، وإتاحة مساحة آمنة للتعبير، وربط الثقافة بالمجتمع، وهي المعركة التي لا تُخاض بالقرارات، وإنما بالاستثمار طويل الأمد في الإنسان.
ولا يمكن الحديث عن هذه التجربة وتأثيرها في القوة الناعمة لمصر دون توجيه الشكر والتقدير إلى المهندس نجيب ساويرس وشقيقه المهندس سميح ساويرس، على إصرارهما المستمر على دعم الجائزة، وتوفير دعم مادي حقيقي وسخي للفائزين، إيمانًا بأن الثقافة ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية، وأن الإبداع أحد أهم وجوه مصر المضيئة. فاستمرار جائزة ساويرس الثقافية على مدار واحد وعشرين عامًا يؤكد أن المشاركة المجتمعية الواعية قادرة على صناعة الفارق، وحماية دور الفن بوصفه قوة ناعمة لا غنى عنها.
والحقيقة أن دعم المبدعين ليس مقتصرًا على الجائزة الثقافية فقط، فالمهندس نجيب ساويرس وشقيقه المهندس سميح ساويرس يمتدان في هذا الدور إلى مهرجان الجونة السينمائي، الذي أصبح خلال سنوات قليلة واحدًا من أبرز الأحداث الفنية على المستوى الإقليمي والدولي.. فالمهرجان لا يقدّم منصة للمواهب المصرية فحسب، بل يجذب أيضًا نجومًا عالميين، صناع أفلام ومخرجين كبار إلى مصر، ما يعزز من مكانة مصر على خارطة السينما العالمية، ويقوي حضورها كوجهة ثقافية وفنية.
ومن خلال هذه المبادرات، يتضح أن الاستثمار في الفن والثقافة ليس رفاهية، بل أداة حقيقية للتأثير الدولي وصناعة القوة الناعمة، وهو ما يؤكد أن رؤية ساويرس تتجاوز الدعم الفردي لتصبح استثمارًا في صورة مصر في الخارج، وفي موقعها كدولة قادرة على الجمع بين الإبداع المحلي والجاذبية العالمية.