عمرو الليثي: «الجمهور عايز كده» جملة استُخدمت لتبرير اختيارات فنية كسولة
أكد الإعلامي الدكتور عمرو الليثي، أن مقولة «الجمهور عايز كده» تحولت على مدار السنوات إلى مبرر جاهز لتمرير اختيارات فنية كسولة، والرهان على الإثارة السهلة بدلًا من تقديم محتوى يحمل معنى حقيقيًا.
وأوضح الليثي، في تصريحات صحفية، أن هذه الجملة لم تعد توصيفًا حقيقيًا لذائقة المشاهد، بل أصبحت نوعًا من الوصاية عليه، وكأن الجمهور كيان واحد لا يفكر ولا يتغير، ولا يطلب سوى الضحك السريع والإفيهات الجريئة والإيحاءات الجنسية.
وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت موجة من الأفلام التي تعتمد بشكل أساسي على الألفاظ الخارجة والفجاجة اللفظية، بزعم أن فئة الشباب، التي يُقال إنها تمثل نحو 60% من جمهور السينما، «عايزة كده»، متسائلًا: «هل الشباب فعلًا لا يريدون سوى هذا النوع من المحتوى؟ أم أن ما يُقدَّم لهم هو فقط ما يُفترض أنهم يريدونه في ظل غياب بدائل حقيقية؟».
وأشار الليثي إلى أن الشباب ليسوا كتلة صماء، بل يختلفون في اهتماماتهم واحتياجاتهم، فبينهم من يبحث عن الترفيه الخفيف، وآخرون يريدون سينما تحترم عقولهم، وتعبر عن قلقهم وأسئلتهم وطموحاتهم، وتقدم ضحكًا نابعًا من الموقف لا من الصدمة اللفظية، وجرأة في الفكرة لا فجاجة في التعبير.
وأكد أن تاريخ السينما المصرية نفسه يكذب المعنى السطحي لمقولة «الجمهور عايز كده»، مشيرًا إلى أن أفلام الواقعية التي قدمها كبار المخرجين مثل صلاح أبو سيف، وعاطف الطيب، ويوسف شاهين، لم تكن سهلة أو مريحة، لكنها كانت صادقة، وناقشت قضايا الفقر والسلطة والقهر والهوية، ورغم ذلك وجدت جمهورها وحققت تأثيرًا ممتدًا حتى اليوم.
وشدد الليثي على أن النجاح لا يُقاس فقط بشباك التذاكر أو بحجم الإيرادات في أسابيع العرض الأولى، معتبرًا أن شباك التذاكر مؤشر اقتصادي وليس معيارًا فنيًا أو ثقافيًا، لافتًا إلى أن هناك أفلامًا حققت أرقامًا ضخمة ثم اختفت سريعًا من الذاكرة، مقابل أعمال أخرى لم تحقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا وقت عرضها، لكنها أصبحت علامات خالدة في تاريخ السينما.
وأوضح أن النجاح الحقيقي يتمثل في استمرارية العمل الفني، وقدرته على البقاء صالحًا للمشاهدة والنقاش بعد سنوات، ومدى ما يضيفه للوعي الجمعي، مؤكدًا أن السينما فعل ثقافي وفني قبل أن تكون منتجًا تجاريًا.
واختتم عمرو الليثي تصريحاته بالتأكيد على أن المشكلة ليست في وجود أفلام خفيفة أو كوميدية، فالتنوع مطلوب، لكن الأزمة تكمن في تحوّل هذا النوع إلى القاعدة شبه الوحيدة، وغياب مشروع فني يرى في السينما حوارًا حقيقيًا بين صانع ومشاهد، مشددًا على أن «السينما في جوهرها حوار، وإذا فسد هذا الحوار فالذنب لا يقع على الجمهور، بل على من يختار ما يُعرض على الشاشة».