أوراق مسافرة
رحلة موت مدفوعة الثمن «الأخيرة»
انتهيت الأسبوع الماضي إلى أن الأبواب صارت مغلقة تماماً أمام المهاجرين غير الشرعيين في أوروبا منذ سنوات، وتوجد إجراءات أوروبية صارمة وعقوبات من سجن وغرامات كبيرة ضد من يثبت إيواؤهم مهاجرين من هذه النوع سواء في عمل أو مسكن، حيث تتم عمليات تفتيش أمني فجائية لضبطهم وترحيلهم بصورة مهينة دون أن يُسمح لهم حتى بالحصول على أي متعلقات لهم مع ختم جواز السفر كشخص غير مرغوب لمنعه من دخول أوروبا مجدداً، ويتم إدراج اسمه ضمن قوائم المحظورين في هذا الإطار.
ولا يمكن تجاهل أن بعض رحلات القوارب المطاطية للمهاجرين غير الشرعيين لا تكون خالصة لوجه نقلهم للعمل في أوروبا ولو بصورة غير قانونية، بل قد يكون وراءها عصابات اتجار بالبشر تستغل هؤلاء الشباب وتبيعهم لعصابات الإتجار بالأعضاء لقتلهم وانتزاع أعضائهم، أو في العمل القسري بالسخرة دون مقابل، أو تجنيدهم كمرتزقة لجهات معينة وميليشيات مسلحة، ومن هنا تختفي بعض القوارب تماماً بمن عليها ولا يعرف أحد عن مصيرها أي معلومة، فلا هم غرقوا، ولا هم وصلوا إلى شاطئ أوروبي، بل اختفوا تماماً.
اختصار القول إن من يخاطرون بأنفسهم في رحلة القوارب المطاطية سيواجهون الموت أو الترحيل والخيار الثالث الاتجار بأعضائهم، ويصل الحديث هنا إلى الحلول للقضاء على تلك الظاهرة، معلوم أن لدينا قانوناً لمكافحة الاتجار في البشر رقم 64 لسنة 2010 والذي يجرم كافة أشكال الإتجار بالبشر ومعاقبة مرتكبيها بالسجن المشدد، وبغرامات بحد أدنى 50 ألف جنيه، ويشمل مفهوم الاتجار التجنيد والنقل والاستغلال لأغراض العمل القسري أو الجنسي أو نزع الأعضاء، كما تعد مصر أول دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سنت قانوناً لمكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين، وهو القانون رقم 82 لسنة 2016 ويقضي بالسجن المشدد وبغرامة مالية أيضًا لا تقل عن 50 ألف جنيه، وتزداد عقوبة السجن المشدد إذا كانت عملية التهريب تعرض حياة المهاجرين للخطر أو تؤذي صحتهم، وتم في هذا الإطار تشكيل لجنة وطنية تنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية، وهذا جيد، ولكن القانون والعقوبات هو المرحلة التالية لوقوع الجريمة، فما هي الإجراءات التي تمنع الجريمة من الأصل.
أولًا يجب تشديد الرقابة والحراسات بكل الطرق البشرية والتكنولوجية على الشواطئ والسواحل المصرية وبصورة دائمة، خاصة في تلك النقاط العمياء البعيدة على رقابة وتواجد حرس السواحل والتي تُستغل لتنطلق منها القوارب المطاطية بالشباب المصري في رحلة الموت، وأن تشارك القوات البحرية في المراقبة، أن يتم تسيير طوافات للمراقبة وطائرات صغيرة لرصد أي قوارب من هذه النوع، فاستغلال المياه المصرية لتهريب الشباب له صلة مباشرة بالأمن القومي المصري، لذا يجب أن يكون للقوات البحرية دوراً في مكافحتها.
أن تسعي مصر من خلال الشراكة الأورو متوسطية إلى تعزيز اتفاقيات لنقل وتوفير عمالة مصرية مدربة إلى دول الاتحاد الأوروبي بالطرق الرسمية وعبر عقود عمل تكفل حماية الحقوق كاملة لهذه العمالة، فمعروف أنه يطلق على القارة الأوروبية حالياً اسم القارة العجوز لتزايد أعداد المسنين بها مقابل تراجع تعداد الشباب طاقة العمالة، وهذا سبب رفع سن التقاعد في أوروبا إلى سن 67 وسيتم رفعها إلى سن الـ70، لذا توجد فرصة لتقديم عمالة فنية ومتخصصة إلى دول أوروبا لتكون على التوازي مع العمالة القادمة من أوروبا الشرقية والتي لها تفضيلات لدول أوروبا الغربية لما تتمتع به من خبرات في العمل وجدية في الأداء مع تدني أجورهم، وفرصة مصر انتقاء نوعية العمالة التي تحتاجها أسواق العمل الأوروبية وتقديمها لهم بصورة رسمية محترمة.
بالطبع هذا يشكل جزءًا يسيرًا من حل مشكل البطالة، أما الحل الأمثل فهو توقف رجال المال والأعمال عن الاستثمار في المشروعات الترفيهية والتركيز على مشروعات وطنية إنتاجية يتم من خلاله تشغيل الشباب للتخفيف من حدة البطالة التي تسرق أحلام الشباب وتدفعهم إلى التهلكة في رحلة موت، تشغيل شباب مصر مسئولية وطنية ومسئولية الراعي عن رعيته أمام الله.
[email protected]