حوادث الطرق.. لماذا فشلت السلامة في حماية البشرية؟
لم يعد الموت بحاجة إلى حرب كي يحصد الأرواح، ولا إلى انفجار كي يفرض نفسه على العناوين، اليوم، يكفي طريق مهمل، أو قرار متعجل، أو ضمير غائب، حتى يسقط إنسان بلا ضجيج.
من قلب القرى المصرية، مرورا بطرق إفريقيا الشاسعة، ووصولا إلى شوارع العالم في المدن المتقدمة، تتكرر المأساة بأشكال متعددة وصور مختلفة، لكنها تحمل جوهرا واحدا؛ أرواح تهدر بلا حساب، وحياة تسلب بلا رحمة.
حيث تشير الإحصائيات العالمية لسلامة الطرق إلى أن حوادث المرور - Road traffic deaths - تزهق أكثر من مليون روح سنويا، وأن ظاهرة القيادة المشتتة - distracted driving - تزيد المخاطر في كل مكان، دون تمييز بين طرق القرى الموحشة وطرق المدن الصاخبة.
اليوم، العالم بأسره يشهد مأساة يومية تتكرر بلا توقف، تذكرنا بأن كل رحلة على الطريق في كل دولة، قد تكون لحظة فارقة بين الحياة والموت.
لم يعد الموت حدثا طارئا يفاجئ العالم، بل أصبح جزءا من المشهد اليومي. في الطرق، وفي مواقع العمل، وفي أماكن الاحتشاد، تتكرر المأساة بأشكال مختلفة، وكأن الحياة الحديثة قررت أن تدفع فاتورة سرعتها من دم البشر. من قرية بعيدة، إلى عاصمة مزدحمة، تتشابه النهايات، ويختلف فقط اسم المكان.
حوادث الطرق لم تعد شأنا محليا، ولا أزمة دولة بعينها، هي ظاهرة كونية تعكس خللا أعمق في علاقتنا بالإنسان، فمن طرق القرى إلى طرق العالم كيف صار الإهمال أخطر من الرصاص
ففي مصر، نعرف المشهد جيدا؛ طريق بلا إنارة، سرعة بلا رقابة، سيارة محملة بأكثر مما تحتمل، وفي إفريقيا، الصورة أكثر قسوة، حيث البنية التحتية الهشة تلتقي بالفقر والإهمال.
أما في العالم، فرغم التطور، لا تزال الأرواح تزهق بسبب ثغرات بشرية، وقرارات خاطئة، وثقة زائدة في الآلة.
القاسم المشترك هنا ليس الطريق، بل الإنسان. الإهمال البشري، في صورته الصامتة، أصبح أخطر من الإرهاب.
الإرهاب يقتل فجأة، فيحدث صدمة، ويستفز الضمير العام، أما الإهمال فيقتل ببطء، وبلا ضجيج، وبلا مساءلة حقيقية، ضحاياه يسقطون واحدا تلو الآخر، دون أن يتغير شيء، وكأن المجتمع اعتاد الفقد.
في كل مكان تقريبا، تختلف اللهجات وتتشابه التبريرات، حادث في دولة نامية يعلق على الفقر، وحادث في دولة متقدمة يبرر بالخطأ الفردي.
وفي الحالتين، تظل الحقيقة واحدة؛ لا أحد يسأل في التوقيت الصحيح، المحاسبة تأتي متأخرة، إن جاءت أصلا، بعد أن يكون الثمن قد دفع من أرواح لا تملك رفاهية الدفاع عن نفسها.
المفارقة المؤلمة أن ضحايا هذا النوع من الموت نادرا ما يكونون من أصحاب النفوذ أو الثراء، الفقراء والبسطاء هم دائما في المقدمة.
العامل الذي يخرج فجرا بحثا عن رزقه، الطالب الذي يستقل وسيلة نقل غير آمنة، الأسرة التي تركب سيارة متهالكة لأنها لا تملك بديلا، هؤلاء لا يملكون رفاهية الاختيار، ولا صوتا عاليا بعد الرحيل.
لماذا يدفع الفقراء الثمن دائما؟ لأنهم الحلقة الأضعف في منظومة لا ترحم، لأنهم يعيشون فى هامش الاهتمام، ويتحركون في مساحات الخطر، ويطلب منهم التكيف مع واقع لم يصمم من أجل سلامتهم وحمايتهم؛ وحين يموتون، يختصر المشهد في خبر عابر، لا يتبعه غضب حقيقي، ولا تغيير جذري.
الأخطر ليس في عدد الضحايا، بل في أننا لم نعد نتأثر بالفقد؛ نقرأ الخبر، نهز رؤوسنا، ثم نعود إلى حياتنا كأن شيئا لم يحدث.
هذا الاعتياد الصامت هو الكارثة الكبرى الحقيقية؛ حين يفقد المجتمع دهشته أمام الموت، يفقد قدرته على الغضب، ومعه تتلاشى فرص الإصلاح والتغيير.
الأخطر من الحادث نفسه هو طريقة تعاملنا معه. نقرأ الخبر، نتحسر لحظات، ثم نواصل روتيننا، ونكمل يومنا.
كأن الموت أصبح جزءا مألوفا من حياتنا اليومية، لا يستحق أن نقف أمامه طويلا. هذا الاعتياد هو الخطر الحقيقي، حين يفقد المجتمع دهشته أمام الفقد، يصبح كل شيء ممكنا، وكل خطأ قابلا للتكرار.
لسنا في حاجة إلى مزيد من القوانين بقدر حاجتنا إلى احترام ما هو قائم. لسنا بحاجة إلى شعارات، بل إلى وعي يرى الإنسان قيمة لا رقما. التقدم الحقيقي لا يقاس بسرعة الطرق، ولا بعدد السيارات، بل بعدد الأرواح التي تعود إلى بيوتها سالمه في نهاية اليوم.
ويبقى السؤال الصادم، الذي يجب ألا نتهرب منه؛ هل أصبح الموت خبرا عاديا؟ إن كانت الإجابة نعم، حين تصبح حياتنا رخيصة؛ وكيف جعل الإهمال العالم مسرح موت يومي.
فالمشكلة أعمق من حادث، وأخطر من طريق، إنها مشكلة ضمير، وإذا لم نستفق الآن، سنستيقظ يوما لنكتشف أننا اعتدنا ما لا يجب أن يعتاد.
ولا يمكن اعتبار ما يحدث مجرد حوادث عابرة، ولا أخطاء فردية، ولا أقدار غامضة. نحن أمام نمط متكرر من الاستهانة المنظمة بحياة الإنسان، حيث تدار الطرق بعقلية مؤقتة، وتدار مواقع العمل بمنطق الربح، وتدار الكوارث بلغة البيانات لا بوجع الفقد.
أخطر ما يواجه عالم اليوم ليس السلاح، ولا الحروب، بل الاستهانة بحياة الإنسان، حين يصبح الموت خبرا عاديا، وتتحول السلامة إلى رفاهية، وتختصر الأرواح في أرقام، نكون قد خسرنا المعركة قبل أن نبدأها.