قراصنة الألفية الجديدة.. من كاريبي القرن السابع عشر إلى اختطاف الرؤساء!
إذا نظرنا إلى التاريخ، سنجد أن أمريكا الجنوبية كانت مسرحًا مستمرًا للقرصنة والفوضى منذ القرن السابع عشر. القراصنة الأوروبيون كانوا ينهبون السفن، يختطفون التجار والحكام، ويعيدون توزيع الثروات بلا رحمة، بينما القانون والسلطات كانت عاجزة عن حماية رعاياها. اليوم، يبدو التاريخ يعيد نفسه، لكن بطريقة أكثر حداثة ودهشة: اختطاف رئيس فنزويلا وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة الأمريكية أصبح حدثًا يُعلن عليه كما لو كان إعلانًا عن مهرجان دولي للفوضى، والقراصنة الجدد يمارسون مهاراتهم على مستوى إمبراطوريات بلا قواعد.
في الماضي، كان الرئيس قبل اتخاذ أي قرار يمر عبر الكونجرس، ويتحقق الأمن القومي من أبعاده، وتخضع أي خطة لموافقة الاستخبارات. أما اليوم، فالمشهد مختلف: القرصان على سدة الحكم لا يلتفت لأي إجراءات رسمية، الإدارة الجديدة ضاعت بوصلة اتخاذ القرار، والعالم كله أصبح ملعبًا للوحوش والمغول الجدد. الرئيس لم يعد مجرد قائد دولة، بل قطعة شطرنج في لعبة الفوضى المفتوحة، والأمم المتحدة مجرد لوحة إعلانية لا أحد يلتفت إليها.
هذه ليست رواية خيالية، بل واقع يثبت أن السياسة تحولت إلى كوميديا سوداء، حيث كل دولة قابلة للاختطاف، وكل رئيس جائزة، وكل قرار سياسي ممكن أن يُتخذ بلا حساب أو رقيب. القوانين التي صنعت لحماية السلم الأهلي صارت حبرًا على ورق، والضحايا؟ نحن جميعًا، نشاهد المشهد من مقاعد الجمهور، نضحك بصمت، ونتمتم: من سيكون التالي؟
القراصنة الجدد لا يحتاجون إلى سيوف أو مدافع، بل يمتلكون شبكة من النفوذ، المال، والاتصالات السريعة. يمكنهم اختطاف رئيس دولة، نقل الدولة نفسها في رمشة عين، وإعادة كتابة قواعد اللعبة، بينما المؤسسات الدولية تتفرج عاجزة، والأمم المتحدة تقيم مؤتمرات صحفية بلا أي تأثير حقيقي. التاريخ يعيد نفسه: من نهب السفن في الكاريبي إلى اختطاف الرؤساء في أمريكا الجنوبية، وكل مرة يثبت أن القوة بلا أخلاق تسيطر على العالم.
إنها كوميديا سوداء لعصر فقدت فيه الإنسانية بعضًا من بريقها، وتحولت السياسة إلى مسرح عبثي، حيث القوانين والمبادئ مجرد ديكور، والقوى العابثة بالسيادة تتحرك بحرية. وما زلنا نحن، كجمهور، نحاول فهم منطق اللعبة، بينما القراصنة الجدد يكتبون التاريخ على هوامش الفوضى، ويعيدون تشكيل العالم وفق قوانينهم الخاصة!
كاتب وباحث متخصص في الجيوسياسية والصراعات الدولية.