هل ما زال الهاتف الأرضي مهمًا في 2026؟ عندما تنقطع الشبكات ويظل الخط ثابتًا
في عالم تحكمه الهواتف الذكية وتطبيقات الدردشة، قد يبدو الهاتف الأرضي وكأنه قطعة أثرية من زمن آخر. نغمة الرنين التقليدية، والسماعة المتصلة بسلك، ودليل الأرقام الورقي… كلها تفاصيل يظن كثيرون أنها اختفت بلا رجعة. لكن المفارقة أن هذا الجهاز “القديم” قد يكون، في لحظات حرجة، الوسيلة الوحيدة التي تُبقيك على اتصال بالعالم، خاصة مع تزايد أعطال شبكات المحمول والانقطاعات الواسعة للخدمة.
خلال السنوات الأخيرة، شهدت شبكات الاتصالات المحمولة في دول عديدة أعطالًا مفاجئة استمرت لساعات، وأحيانًا لأيام. في مثل هذه السيناريوهات، يتحول الهاتف الذكي إلى قطعة بلا قيمة تقريبًا: لا مكالمات، ولا إنترنت، ولا حتى وسيلة لطلب المساعدة. هنا يعود الهاتف الأرضي إلى الواجهة، ليس بوصفه بديلًا عصريًا، بل كخط أمان أخير.
ورغم هذا الدور المحتمل، تشير الإحصاءات إلى تراجع حاد في استخدام الهواتف الأرضية. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا يمتلك سوى نحو ثلث الأسر تقريبًا خطًا أرضيًا، بعدما كانت النسبة تتجاوز 90% قبل عقدين فقط. التحول بدأ مع الانتشار الواسع للهواتف المحمولة، ثم تسارع مع طفرة الهواتف الذكية التي أعادت تشكيل صناعة التكنولوجيا بالكامل وغيرت عادات التواصل اليومية.
لكن بعض الأشخاص لم يتخلوا عن الخط الأرضي، لأسباب تتعلق بالأمان لا بالحنين. هناك من عاش تجارب قاسية مع الكوارث الطبيعية أو انقطاع الكهرباء لفترات طويلة، واكتشف أن الهاتف الأرضي – بخلاف المحمول – غالبًا ما يواصل العمل حتى في أسوأ الظروف. السبب بسيط: هذه الخطوط تعتمد على بنية تحتية مستقلة نسبيًا، وتستمد طاقتها من الشبكة نفسها، لا من كهرباء المنزل.
من الناحية التقنية، تتميز الهواتف الأرضية التقليدية بالاعتمادية وجودة الصوت الثابتة. لا مكالمات تسقط فجأة، ولا تشويش ناتج عن ضعف الإشارة، ولا حاجة للبحث عن مكان “تلقط فيه الشبكة”. ولهذا السبب، لا تزال قطاعات حيوية مثل المستشفيات، والمكاتب القانونية، وبعض الجهات الحكومية تعتمد عليها، خاصة مع استمرار استخدام أجهزة الفاكس التي ترتبط بهذا النوع من الخطوط.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل. فتكلفة الاشتراك في الهاتف الأرضي قد تكون مرتفعة مقارنة باستخدام الهاتف المحمول فقط، خصوصًا مع الرسوم الشهرية ورسوم المكالمات خارج النطاق المحلي. كما أن الجهات التنظيمية في بعض الدول بدأت في تقليص إلزام شركات الاتصالات بتوفير الخطوط الأرضية التقليدية، ما يعني أن كثيرًا من المباني الجديدة تُجهز بمخارج إنترنت فقط، دون تجهيزات خاصة بالهاتف الأرضي.
إضافة إلى ذلك، لم تعد كل “الهواتف الأرضية” متشابهة. كثير من الشركات باتت تقدم الخدمة عبر الإنترنت فيما يُعرف بتقنية الاتصال الصوتي عبر بروتوكول الإنترنت، أو VoIP. هذه التقنية قد تبدو حديثة، لكنها تفقد إحدى أهم مزايا الهاتف الأرضي: العمل أثناء انقطاع الكهرباء أو الإنترنت، ما لم تتوفر بطاريات احتياطية أو وحدات طاقة غير منقطعة.
بالنسبة لمن يفكر في الحصول على خط أرضي اليوم، ينصح الخبراء بالسؤال أولًا عن نوع الخدمة: هل هي تقليدية تعتمد على خطوط نحاسية، أم خدمة رقمية تعتمد على الإنترنت؟ كما يُفضل الاستفسار عن وجود حلول طاقة احتياطية، وتفاصيل تكلفة المكالمات، خاصة المكالمات البعيدة والدولية، التي قد تكون مرتفعة بشكل غير متوقع.
وحتى إن كان لديك خط أرضي بالفعل، فهناك طرق لجعله أكثر فائدة. بعض الخدمات الرقمية تتيح ربط رقم واحد بعدة أجهزة، بحيث ترن المكالمة على الهاتف الأرضي والمحمول في الوقت نفسه. كما يمكن دمجه مع أنظمة أمن المنازل أو أجهزة الإنذار الطبي، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في منظومة السلامة المنزلية.
أما إذا لم يكن الخط الأرضي خيارًا متاحًا، فهناك بدائل أخرى، مثل خدمات الأقمار الصناعية أو ميزات الطوارئ عبر الأقمار الصناعية التي بدأت بعض الهواتف الذكية في توفيرها. ورغم أن هذه الحلول لا تزال في بداياتها، فإنها تعكس إدراكًا متزايدًا لحقيقة واحدة: الاعتماد الكامل على شبكات المحمول ليس مضمونًا دائمًا.
في النهاية، قد لا يعود الهاتف الأرضي إلى مكانته القديمة، ولن ينافس الهواتف الذكية في الحياة اليومية. لكنه في 2026، ومع ازدياد تعقيد شبكات الاتصال، يظل خيارًا عقلانيًا لمن يبحث عن وسيلة اتصال موثوقة وقت الأزمات. أحيانًا، أبسط التقنيات هي الأكثر صمودًا عندما تتعطل كل الخيارات الأخرى.