الأزمة الدستورية الثانية
استعرضنا مع حضراتكم الجزء الأول من سلسلة مقالات معارك دستورية خاضها حزب الوفد فى العقدين الثانى والثالث من هذا القرن، واليوم نستكمل الجزء الثانى أو الأزمة الدستورية الثانية.
فى أعقاب خروج الوزراء الممثلين لحزب الأحرار الدستوريين فى سبتمبر ١٩٢٥م، حول أزمة كتاب (الإسلام وأصول الحكم)، أعيد تشكيل الوزارة من (حزب الاتحاد أساسًا) وبدأ الوفد نحو توحيد كلمة الأحزاب ورأب الصدع فى صفوفها وإقامة ائتلاف بينها، فدعت صحف الوفد إلى عقد مؤتمر وطنى والمطالبة بعودة الحياة النيابية، ثم برزت فكرة انعقاد البرلمان بمجلسيه من تلقاء نفسه يوم السبت ٢١ نوفمبر ١٩٢٥، دون دعوة الملك استنادًا إلى نص المادة ٩٦ من الدستور التى تعطى البرلمان هذا الحق، وأيد هذه الفكرة الحزب الوطنى وحزب الأحرار الدستوريين، وبالفعل اجتمع أعضاء البرلمان بفندق الكونتنتال بسبب حصار البوليس لمبنى البرلمان، وأصدروا عدة قرارات اجماعية بالاحتجاج على تصرفات الوزارة المخالفة للدستور والتى من شأنها تعطيل العمل به، وبأعمالها المقيدة للحريات، وبالذات قانون الجمعيات والهيئات السياسية الذى صدر فى ٢٧ أكتوبر ١٩٢٥، والذى كان يحد من نشاط الأحزاب والهيئات السياسية ويخضعها لرقابة الحكومة، وأجريت انتخابات رئاسة مجلس النواب، وانتخب سعد زغلول رئيسًا ومحمد محمود والدكتور عبدالحميد سعيد وكيلين، ثم أصدر المجلس قرارًا بعدم الثقة بالوزارة طبقًا للمادة ٦٥ من الدستور، وقد زاد من حدة المعارضة الشعبية والحزبية لحكومة زيوار أمران.
الأول: تسليم الحكومة فى السادس والعشرين من ديسمبر ١٩٢٥ بالمطالب الإيطالية الإقليمية فى جغبوب على الحدود الليبية المصرية، الأمر الذى اعتبر تفريطًا فى الحقوق المصرية،
الثانى: إصدار الحكومة قانون انتخابات معدل فى ٨ ديسمبر ١٩٢٥، ضيق فيه حق الانتخابات فقصره على من يبلغ سن الثلاثين وأباحه لمن بلغ الخامسة والعشرين بشروط مالية وأدبية، كما جعل الانتخابات على درجتين.
وبناء عليه تم انتقاد الأمرين وتمت الدعوة إلى عقد مؤتمر وطنى فى يناير ١٩٢٦ من أعضاء البرلمان ومجالس إدارات النقابات والأحزاب، وتكونت لجنة من الأحزاب وقررت مقاطعة الانتخابات المزمع عقدها إذ كانت على درجتين، وتراجعت الوزارة فقررت وقف العمل بالقانون المعدل، وإجراء انتخابات جديدة بمقتضى قانون عام ١٩٢٤، وتمت الدعوة إلى انتخابات فى ٢٢ مايو ١٩٢٦، وقامت الأحزاب بتوزيع الدوائر الانتخابية فيما بينها وأسفرت الأنتخابات عن حصول (الوفد على ١٦٥ مقعدًا)،
(الأحرار الدستوريين ٢٩ مقعدًا)، (الحزب الوطنى ٥ مقاعد)، (حزب الاتحاد ٥ مقاعد)، بينما حصل المستقلون على (١٠ مقاعد).
وهكذا أصبح للوفد الأغلبية البرلمانية ولكن نتيجة للتدخل الانجليزى الذى وصل إلى حد التلويح بالقوة العسكرية، وعدم رغبة الوفد فى الاصطدام بالإنجليز، قبل سعد زغلول التنازل عن حقه الدستورى فى تأليف الوزارة بدعوى اعتلال صحته.
واستقالت وزارة زيوار فى ٧ يونية ١٩٢٦، وتكونت الوزارة الائتلافية الأولى من الوفد والأحرار برئاسة عدلى يكن فى نفس اليوم، وانتخب سعد زغلول رئيسًا لمجلس النواب، ومصطفى باشا النحاس وويصا ناصف وكيلين له، وهم من رجال الوفد وفى أول جلسة ألغى المجلس كل التشريعات التى صدرت فى غيابه منذ ديسمبر ١٩٢٤، وهكذا استطاعت القوى الحزبية وعلى رأسها حزب الوفد التصدى لهذه الهجمة على الحياه النيابية ونجحت فى الدفاع عن حقوق البلاد وإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعى.
غير أنه لم تمض فترة طويلة حتى كانت الأزمة الدستورية الثالثة، أو الإنقلاب الدستورى الثالث والذى سنوافى حضراتكم به فى المقال القادم.
سكرتير اللجنة العامة لحزب الوفد ببنى سويف.