مسار القهوة
«لما الكلام يزيد.. الشغل يقل»
تُعد بيئة العمل السليمة أحد أهم مقومات النجاح المؤسسى، فهى الإطار الذى تتشكل فيه العلاقات المهنية، وتُبنى من خلاله الثقة، ويُقاس فيه مستوى الانتماء والإنتاجية. غير أن هذه البيئة قد تتعرض للاهتزاز حين ينتشر ما يُعرف بنقل الكلام أو تداول الأحاديث الجانبية، وهى ظاهرة تبدو فى ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل فى طياتها آثارًا سلبية عميقة؛ فنقل الكلام داخل المؤسسات لا يتوقف عند حدود الأحاديث العابرة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر فى خلق سوء فهم بين الزملاء، أو إشعال خلافات لا أساس لها، أو نشر حالة من التوتر والريبة. وغالبًا ما تبدأ هذه المشكلة بنية غير سيئة، كالرغبة فى المشاركة أو الفضول، لكنها سرعان ما تتطور لتصبح عاملا مهددًا لاستقرار بيئة العمل.
المشكلة الحقيقية لا تكمن فى التواصل ذاته، فالحوار عنصر أساسى فى أى مؤسسة ناجحة، وإنما فى غياب الوعى بكيفية نقل المعلومات، وفى تجاهل أثر الكلمة قبل تداولها، فكلمة تُنقل دون تدقيق، أو رأى يُحكى خارج سياقه، قد يسىء إلى شخص، أو يضعف الثقة بين الزملاء، أو يخلق صورة مشوهة عن الواقع.
ومع تكرار هذه السلوكيات، يبدأ العاملون فى التحفظ فى تعاملاتهم، ويقلّ الانفتاح بينهم، خوفًا من إساءة الفهم أو نقل الحديث خارج إطاره الطبيعى. وهنا تفقد بيئة العمل أحد أهم عناصر قوتها، وهو الشعور بالأمان المهنى، الذى يُعد شرطًا أساسيًا للإبداع والاستقرار الوظيفى.
وتزداد خطورة الأمر حين يتحول نقل الكلام إلى أداة غير مباشرة لتصفية الحسابات أو التقليل من الآخرين، وبخاصة فى البيئات التى تغيب عنها الشفافية أو تسود فيها المنافسة غير الصحية. فى مثل هذه الحالات، لا يكون الضرر فرديًا فحسب؛ بل يمتد ليصيب روح الفريق بأكمله، ويؤثر سلبًا على الأداء العام للمؤسسة، ولذلك تؤكد التجارب الإدارية الناجحة أن أساس بيئة العمل الصحية يقوم على مبدأ واضح:
ما يُقال ينبغى أن يُقال فى موضعه الصحيح، وللشخص المعنى مباشرة، أو لا يُقال على الإطلاق.
فالحوار المباشر، والوضوح، واحترام الخصوصية، تمثل ركائز أساسية لبناء علاقات مهنية قائمة على الثقة والاحترام المتبادل.
كما أن المؤسسات التى تحرص على ترسيخ ثقافة التواصل الإيجابى، وتضع حدودًا واضحة لتداول الأحاديث غير المهنية، تنجح فى خلق مناخ عمل أكثر استقرارًا، ينعكس إيجابًا على إنتاجية الموظفين وانتمائهم للمكان.
ويبقى السؤال الأهم الذى ينبغى أن يطرحه كل فرد على نفسه قبل نقل أى حديث:
هل سيضيف هذا الكلام قيمة حقيقية؟
أم سيتسبب فى ضرر أو توتر لا داعى له؟
وفى النهاية، فى كثير من الأحيان، يكون الصمت دليل وعى، لا ضعف، وتكون الحكمة فى اختيار ما يُقال -أو ما يُترك دون قول- أساسا لبيئة عمل ناجحة ومستقرة.
أستاذ الإعلام المساعد بكلية الآداب - جامعة المنصورة.