رؤية حرة
قنابل موقوتة!
من يتصور أن تفسخ بنية المجتمع يبدأ عند حدود المخدرات وحدها فهو مخطئ، فالأخطر مما يفتك بالأجساد هو ما يتسلل إلى العقول في صمت ودون سابق إنذار، حيث تصيب تكنولوجيا الوهم وسموم السوشيال ميديا الوعي الجمعي، فلا تهدر أفرادًا فحسب، بل تُمهد لانهيار مجتمع كامل، وتحوله إلى كتلة رخوة بلا بوصلة، تركض خلف أرباح زائفة، وتلهث وراء شهرة وهمية، كظمآنٍ يحسب السراب ماءً، حتى إذا اقترب لم يجد إلا ظلماتٍ بعضها فوق بعض.
وعطفًا على واقع قاتم كالسحابة السوداء، تُختطف اليوم عقول قطاعات واسعة من الشباب تحت لافتة الثراء السريع، حتى صار الجري خلف "الترند"بديلاً عن العلم، والبحث عن الشهرة بديلاً عن العمل، وصناعة المحتوى المبتذل طريقًا مختصرًا للمال، في جريمة واضحة للعيان ضد قيمة الاجتهاد والمثابرة، وضد فكرة بناء الإنسان ذاته بالعرق والسعي، وهو ما يضرب المجتمع في صميمه، ويضع الأسرة كلها في مرمى خطر دائم.
ومع تفشي ما يُسمى بصناع المحتوى و"التيك توكرز"، برزت نماذج تنصب نفسها أوصياء على الذوق العام، بلا قيمة حقيقية أو رسالة نافعة للناس، تبيع الوهم وتسوق الرداءة على المشاع، وتحاول مع سبق الإصرار والترصد ذر الرماد في العيون، استخفافًا فجًا بالعمل الشريف، ودفعًا متعمدًا للشباب نحو تقليد الانحطاط والاسفاف باعتباره نجاحًا، بما يشكل خطرًا مباشرًا على الوعي الجمعي، وتهديدًا للأمن المجتمعي، بل وللأمن القومي إذا ما نُظر إلى الأزمة بعمقها الحقيقي.
ولم تعد السوشيال ميديا مجرد منصات ترفيه عابرة، بل تحولت إلى سلاح ناعم يخترق العقول في صمت رهيب، ويصنع أجيالًا مشوشة ترى الكسل طموحًا، والفراغ إنجازًا، والتسول الرقمي مهنة يقتات منها، ومع غياب الرقابة الأسرية والتوجيه التربوي، تتسع الدائرة يومًا بعد يوم، ويتحول الانحراف الفردي إلى عدوى عامة، تهدد مستقبل المجتمع دون استثناء.
والمؤلم أن هذه العدوى لم تتوقف عند حدود الشباب، بل تسللت إلى قطاع مُعتبر من الأسر والمجتمع، حيث سادت ثقافة الربح السهل، وتراجع احترام العلم والعمل، وأصبح كثيرون ينتظرون العائد من شاشة لا ثمرة جهد ولا نتاج تعب، في مشهد كاشف لانهيار خطير في منظومة القيم، وتآكل بطيء في معنى الإنتاج الحقيقي، وانسحاب صامت من معركة البناء، حتى يضيع الكثير من الجهد، كما وصف الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، فلا يبقى إلا ما يُثمر ويعود بفائدة على الجميع.
أخيرًا، في مواجهة هذا المشهد الكارثي، لا مكان للصمت ولا جدوى من المجاملة، فالقضية لم تعد مجرد أزمة أخلاقية، بل صراع وجود وهوية تكابد، ما يفرض على الدولة أن تمضي في الحسم دون تردد، وعلى الأسرة أن تسترد دورها بلا تساهل أو تقاعس، وعلى الإعلام أن يكف عن تزيين الرداءة، إذ إن هذه القنابل الموقوتة، إن لم تفكك اليوم بحسم دون تردد، فلن تترك لنا غدًا فرصة حتى للندم.