فنزويلا تخطف ورسالة للعرب
في ساعة مبكرة من صباح السبت، لم تطلق صفارات الإنذار في فنزويلا تحذيراً من غارة جوية تقليدية، بل أعلنت عن بداية عصر جديد من "البلطجة العسكرية المعلنة".
اجتاحت قوات النخبة الأمريكية " الكوماندوز" الأراضي الفنزويلية لتنفذ أمراً يشبه أفلام الجاسوسية: اختطاف الرئيس الشرعي نيكولاس مادورو وزوجته ونفيهما قسراً. هذا الحدث لم يهز كاراكاس وحدها، بل هز أركان القانون الدولي، وكشف عن نرجسية سياسية تحولت إلى خطر عالمي.
رفعت الولايات المتحدة شعار "مكافحة الإرهاب المرتبط بالمخدرات" لتبرير غارتها، لكن الأرقام تكذب الرواية الأمريكية. تشير البيانات إلى أن 90% من الكوكايين الذي يصل إلى الولايات المتحدة يأتي عبر دول أخرى، ككولومبيا والبيرو وبوليفيا والإكوادور، بينما تمر أقل من 8% من عمليات التهريب عبر المسارات القريبة من فنزويلا. كما أن أزمة الفينتانيل القاتلة في أمريكا لا علاقة لفنزويلا بها، إذ تُصنع المادة أساساً في المكسيك بمواد خام قادمة من آسيا. هذا التناقض يطرح سؤالاً محورياً: إذا كانت الأدلة ضعيفة، فما الهدف الحقيقي؟
يكمن جزء كبير من الإجابة تحت أرض فنزويلا، حيث يوجد ما يقرب من 20% من احتياطي النفط العالمي، أي قرابة 303 مليار برميل، وهو كنز استراتيجي طالما حلمت واشنطن بالسيطرة عليه. كما أن المعادن النادرة التي تمتلكها البلاد تعد عصباً أساسياً للصناعات التكنولوجية والعسكرية. لذا، لم يكن الحصار المفروض سابقاً على ناقلات النفط الفنزويلية سوى الخطوة الأولى، لتأتي الغارة العسكرية كذراع القوة لاستكمال عملية السيطرة على هذه الثروات.
يصف خبراء علم النفس السياسي مثل هذا القرار بـ "النرجسية المدمرة"، حيث يخلط صانعه بين المصالح الوطنية وبين النزوات الشخصية الرامية إلى إثبات الهيمنة. هذه السمة لا تجعل الزعيم غير متوقع فحسب، بل تدفعه إلى اعتبار القانون الدولي مجرد عقبة يجب اقتحامها. الخطورة هنا تكمن في تحوّل "بلطجة الدولة" إلى منهج عمل قائم بذاته، وليس مجرد حدث عابر.
ونري أن ردود الفعل العالمية على الحدث، جاءت مشمئزة لكنها حذرة، عبرت البرازيل عن رفضها القاطع ووصفته بـ "التجاوز غير المقبول لسيادة دولة"، بينما دعا الاتحاد الأوروبي إلى "احترام القانون الدولي"، وعرضت إسبانيا وساطتها.
ومع ذلك، فإن غياب ردة فعل عقابية حاسمة من المجتمع الدولي يعيد إلى الأذهان حقبة الاستعمار القديم، حيث كانت القوة العسكرية المباشرة هي اللغة السائدة والفاعلة.
يخلق هذا الاعتداء سابقةً خطيرة في القرن الحادي والعشرين، قد تكون أخطر من الحدث ذاته. فهي تعني عملياً أن أي رئيس غير مرغوب فيه من واشنطن أصبح عرضة للاختطاف، وأن ميثاق الأمم المتحدة قد تحول إلى حبر على ورق.
كما ستشعر الدول المتوسطة والصغرى بأن أمنها لم يعد مرتبطاً بمنظومة قانونية دولية، بل بنزوات شخصية لقادة الدول العظمى.
وهنا اريد أن اطرح تساؤلات مصيرية: هل كشف اعتقال مادورو عن وجه أمريكا الحقيقي أم عن وجه عالمي جديد تقوده القوة الغاشمة؟ والسؤال الأكثر رعبا: هل سنسمح بعودة عصر الظلام حيث تختفي سيادة الدول، أم أن هذه الصدمة ستوقظ ضمير العالم لإعادة بناء نظام يحترم فيه الكبير الصغير؟
في هذا المقال اريد من خلاله أن ادق ناقوس الخطر لكل من يعتقد أن القانون الدولي يحميه. التاريخ سيذكر هذا اليوم ليس كـ"عملية ضد تاجر مخدرات"، بل كلحظة فاصلة، "اللحظة التي عادت فيها البلطجة إلى السياسة العالمية".
فهل آن الأوان لتدرك الدول العربية أهمية وحدتها لتشكيل قوة عظمي ، تجبر الدول العظمي على احترام سيادتها وتقديرها، هل آن الأوان أن تدرك الدول العربية أن أمنها الحقيقي لا يكمن في التحالفات الهشة أو البحث الفردي عن الزعامات المتضاربة، بل في تشكيل كتلة موحدة عظيمة، أم ستظل الدول العربية حبيسة حروبها المشتعلة الداخلية والباردة بين بعضها، تارةً ساعية للزعامة الفارغة، وتارةً أخرى منغلقة على مصالحها الضيقة، لتضحي بمصلحة الجماعة وتبقي أبوابها مباحه أمام تدخلات لا تحترم إلا لغة القوة الموحدة.