كبسولة فلسفية
الماضي الذي يسكن الحاضر
هناك لحظة يا صديقي تشعر فيها أن الحاضر ليس حاضرًا بالكامل... وأن هناك ظلًّا خفيفًا يسير خلفك أينما ذهبت. ليس ظلّ شخص، بل ظلّ زمنٍ قديم لم يكتمل خروجه من داخلك. الماضي لا يختفي لمجرد أنه انتهى، بل يظل يعيش في طريقة نظرتك، في خوفك المفاجئ، في ردود فعلك التي لا تجد لها تفسيرًا، في ذلك الحنين الغامض الذي لا تعرف مصدره.
نحن لا نحمل ذكريات فقط... نحن نحمل طبقات من الأزمنة. كل جرح لم يُفهم، كل علاقة لم تُغلق، كل كلمة أثّرت، كل موقف كوّن جزءًا من طريقة رؤيتك للعالم. الماضي لا يُرى، لكنه يُحسّ: في تردّدك قبل خطوة مهمة، في انقباض قلبك حين تفكّر في الرحيل، في ارتباكك حين تحبّ، وفي خوفك من أن تفقد شيئًا تعلّقت به أكثر مما يجب.
لكن الغريب يا عزيزي القارئ أنّ الماضي ليس دائمًا عبئًا. أحيانًا يكون معلّمًا صامتًا. كل تجربة قديمة – حتى القاسية منها – تضع في داخلك نورًا صغيرًا يساعدك أن تفهم نفسك أكثر. الماضي قد يجرح، نعم... لكنه أيضًا يمنحك أدواتك الأولى لفهم الحياة. المشكلة ليست في أنه يعيش في داخلك، بل في أنك تسلّم له القيادة دون أن تنتبه.
حين نتأمل أنفسنا جيدًا، نكتشف أنّ كثيرًا من قراراتنا «الحاضرة» ما هي إلا ردود فعل تجاه ما لم نعالجه في الأمس. نهرب لأننا تأذينا. نتعلق لأننا خفنا. نصمت لأن كلمة قديمة ما زالت تؤلم. الماضي ليس بعيدًا... هو يجلس بين أنفاسنا، يختبئ داخل صمتنا، ويطلّ بوجهه كلما فُتح باب يشبه شيئًا عشناه من قبل.
لكن يا صديقي... هناك لحظة فارقة: اللحظة التي ندرك فيها أن الماضي يسكننا، لكن ليس بالضرورة أن يتحكم فينا. عندما ننظر إليه من الخارج، لا كعقبة، بل كحكاية. حينها يبدأ التحرّر الحقيقي. لأنك ترى أنك لم تعد الشخص الذي كان، وأنك تستطيع أن تختار طريقًا مختلفًا هذه المرّة.
الحاضر لا يقوى إلا حين نضع الماضي في مكانه الصحيح: خلفنا، لا أمامنا. نأخذ منه ما يفيد، ونتخلى عمّا يؤلم، ونترك المساحة لنسخة جديدة منا أن تنمو دون خوف من ظلال قديمة.
في النهاية... نحن أبناء كل الأزمنة التي عبرتنا، لكننا المسؤولون عن الزمن الذي نصنعه الآن. والماضي، مهما كان ثقيلًا، لا ينتصر إلا إذا سمحنا له أن يعيش بدلنا.
************************
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]