بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

خارج السرب

لغويات قرآنية تدعو للتدبر

حظيت اللغة العربية بما لم تحظ به لغة من قبل، إذ صيغت بها كلمات الخالق تعالى فى نص محفوظ ليوم يُبعثون أعجز به أهل الفصاحة الذين اشتهروا وتخايلوا بنظمهم ونثرهم وصنوف أدبهم، فوقفوا منبهرين، مشدوهين أمام نص صيغ بلغتهم ولكنه فريد لم يعهدوه من قبل بلغة قوامها البساطة والجزالة والبلاغة بلغت حد التحدى الصريح، «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ»، فوقفوا هم والعجز صنوان!!
ولعل أكثر مَن يقرأ القرآن ويدرك إعجازه هم أولئك الذين قيض الله لهم دراسة أسرار اللغة العربية أو وقعوا فى شراك حبها فغاصوا فى معانيها وانبهروا بأشكالها ومفرداتها وقارنوا بين ألوانها وصنوفها على اختلاف العصور، بدءاً بالأدب الجاهلى وما يزخر به نصوصه وشعره من مفردات وتركيبات صعبة مروراً بالعصر الإسلامى وعصور الخلافة وصولاً لصور الشعر الحديث، وبوصفى أحد هؤلاء اللغويين -دراسة وعملاً- تصادفنى بين ثنايا آيات القرآن ما يستدعى التدبر -بل التوقف- فأرى قاعدة نحوية تخالف ما درسناه، فأجد تارة «تمييز جمع» بدلاً من «مفرد»، (وَلَبِثُوا فِى كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً»، فأتساءل حينها لماذا لم يذكر التمييز المفرد «سنة» وفق ما درسناه من القواعد، لأجد أن النحاة قد فسروا ذلك على أن كلمة «سنين» فى هذا الموضع «بدل» وليست «تمييزاً» فى هذا الموضع، لسبب دلالى ما يخدم السياق ويوضح المعنى بشكل أكثر دقة.
وقد تعددت وقفاتى اللغوية هذه، فمثلاً فى قوله تعالى: «وَقَطَّعناهُمُ اثنَتَى عَشرَةَ أَسباطاً أُمَماً»، و«هَـذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِى رَبِّهِمْ»، حيث خاطب المثنى بصيغة الجمع، أو موضعاً ما منصوباً خلافاً للقاعدة مثل: «لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَـئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً»، ومن ثم أنطلق فى رحلة للبحث للعثور على تفسير لمثل هكذا مواضع، فأجد ما قد أقتنع به أو ما أراه تفسيراً دلالياً بلاغياً وليس تفسيراً نحوياً صرفياً وقد أطمئن لأحدها دون آخر، ولكن ما لا شك فيه أن تدبر وبحث مثل تلك اللغويات القرآنية هى دعوة للبحث والتفكر فى معانى القرآن وألفاظه، لأنه قد نزل بلغة العرب التى جرت على ألسنتهم بالسليقة، ما كان لا يعد غريباً بالنسبة لهم، أما فيما تلا ذلك من عصور لاحقة، وبعد أن استنبط اللغويون القواعد فقد نجد ما يخالف قاعدة نحوية ما وهو ما لا يعد بالتأكيد خطأ فى النص القرآنى، كما ادعى المشككون والمترصدون جهلاً منهم ومحاولة للنيل من  النص القرآنى ليس إلا، فهو «كِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ».
ومن المعروف أن أول مَن وضع قواعد اللغة العربية فى النحو -كما يشير الباحثون- هو التابعى الجليل أبوالأسود الدؤلى بتوجيه من أمير المؤمنين على بن أبى طالب، رضى الله عنه، ويقال إن سبب وضعه لقواعد النحو تفشى اللحن باختلاط العرب مع غيرهم من الأقطار المفتوحة، وأنه سمع ابنته تلحن لحنا قبيحاً فى جملة من التعجب، فانزعج من ذلك، وجاء إلى الإمام على، فقال له: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ثم بين له أقسام الكلام، وقال له: «انح على هذا النحو وقس عليه»، ولذلك سميت قواعد اللغة العربية بالنحو.
إذن، فالقرآن الكريم -وكذلك صنوف الأدب العربى- مناط استنباط القواعد وليس العكس، فإذا حدث وكان هناك ما يخالف القاعدة الوضعية لعلماء اللغة، فقد يكون ذلك لغرض دلالى للفت الانتباه مثلاً أو توضيح المعنى وتصويره بطريقة أيسر وأوضح فى الذهن، أو يكون قد جرى على ألسنة العرب.
وبعد، فهذا قليل من كثير، عن القرآن، لغته وبلاغته، مفرداته وألفاظه، لا تسع كلماتى الآن لإفراده، لذا لنا حديث آخر.