بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

التفوق التكنولوجي وموازين القوة الجديدة في الشرق الأوسط

تشهد منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة تحولات غير مسبوقة في طبيعة الصراعات، إذ باتت التكنولوجيا تشكل عاملاً حاسماً في تحديد موازين القوة والقدرة على الاستمرار في ساحات القتال. الحروب الحديثة لم تعد فقط مواجهات عسكرية تقليدية، بل أصبحت مختبراً متقدماً لاختبار منظومات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية وأنظمة الدفاع المتكاملة. هذه التحولات تحمل في طياتها دروساً عميقة يمكن للدول العربية توظيفها لتطوير منظوماتها الدفاعية والتكنولوجية، وبناء مستقبل أكثر استقلالاً وأمناً وتقدماً.
الأسلحة الدقيقة وتحوّل فلسفة التفوق العملياتي
تظهر الصراعات اتساع الاعتماد على الأسلحة الدقيقة في استهداف المواقع العسكرية والبنى التحتية الحيوية، في محاولة لتحقيق التفوق العملياتي مع الحد من الخسائر المدنية في البيئات المعقدة. ومع أن هذا الهدف لم يتحقق دوماً، إلا أن التجربة أفرزت وعياً متزايداً بأهمية تطوير القدرات الذاتية لفهم آليات تلك الأنظمة الدفاعية والهجومية، سواء لإنتاجها محلياً أو لبناء منظومات قادرة على مواجهتها بفاعلية.
الطائرات المسيّرة وثورة السماء المفتوحة
في خضم هذه التطورات، برزت الطائرات بدون طيار كرمز للتحول في طبيعة الحروب. فهي لم تعد حكراً على الجيوش الكبرى، بل أصبحت في متناول أطراف متعددة، بعضها غير حكومي، تمكن من استخدامها بتكلفة منخفضة لشلّ أنظمة دفاعية متطورة وباهظة الثمن. 
هذا الواقع يفرض على العالم العربي الاستثمار المنهجي في البحث والتطوير بمجال أنظمة الطائرات المسيّرة، سواء لأغراض الاستطلاع والاستخبارات أو لتنفيذ المهام الدقيقة. كما يفتح الباب أمام فرص واسعة في الاستخدامات المدنية، مثل مراقبة المحاصيل الزراعية، وإدارة الكوارث البيئية، ومتابعة البنى التحتية الحيوية.
الفضاء السيبراني كساحة المواجهة الجديدة
في موازاة ذلك، غدت الحروب السيبرانية ركناً أساسياً من الصراعات الحديثة، إذ لم يعد الهجوم على البنى التحتية محصوراً بالصواريخ أو المتفجرات، بل باتت الشيفرات الإلكترونية سلاحاً لا يقل فتكاً. وقد كشفت هذه المواجهات أهمية بناء منظومات حماية رقمية للبنية التحتية الوطنية، تشمل الطاقة والمياه والاتصالات، مع ضرورة تأسيس فرق الاستجابة الفورية للهجمات، وتنمية الكفاءات البشرية القادرة على الدفاع في الفضاءات الإلكترونية المعقدة والمتغيرة.
الذكاء الاصطناعي والعقول الرقمية التي تدير الصراعات
كما أخذ الذكاء الاصطناعي موقعه كمحرك خفي في إدارة الصراع وتحليل البيانات واتخاذ القرار. فأنظمة الدفاع الصاروخي الحديثة أصبحت أكثر دقة بفضل خوارزميات التعلم الآلي، وعمليات التحليل الاستخباري تعتمد بشكل متزايد على النماذج الذكية القادرة على فرز كميات هائلة من البيانات في لحظات. ومن هذا المنطلق، يمكن للدول العربية تحويل هذه الخبرات إلى فرص للنهوض في مجالات مدنية متعددة، من إدارة المدن الذكية إلى تطوير أنظمة التعليم والرعاية الصحية القائمة على تحليل البيانات الضخمة.
الدفاعات الجوية في مواجهة التهديدات المتعددة
كما تظهر الأحداث المتلاحقة ضرورة بناء أنظمة دفاع جوي وصاروخي قادرة على مواجهة الأطياف المتنوعة من التهديدات، بدءاً من الصواريخ قصيرة المدى وصولاً إلى أسراب الطائرات الصغيرة المسيّرة. ويتطلب ذلك استثماراً في تقنيات جديدة مثل أنظمة الرادار المخترق للأرض للكشف عن الأنفاق، وتطوير استراتيجيات تكاملية تجمع بين القدرات التكنولوجية والتدريب الميداني المتخصص، بما يخلق منظومات دفاعية مرنة وقابلة للتكيف مع التهديدات المستقبلية.
الحروب المعلوماتية في معركة الرواية والسيطرة على الوعي
وفي ميدان المعلومات، أصبحت السيطرة على الرواية الإعلامية والمحتوى الرقمي جزءاً من ميدان القتال ذاته. فالحروب وإن كانت تُخاض بالأسلحة، إلا أنها أيضاً تعتمد على ما تتناقله من صور ومعلومات موجهة عبر المنصات الرقمية. وهذا يستدعي بناء وعي رقمي جماعي، وتطوير استراتيجيات وطنية تُمكّن المجتمعات من التمييز بين المعلومات الصحيحة والدقيقة والدعايات المضللة، وتوظيف الأدوات الرقمية في خدمة الحقيقة والرؤية الوطنية.
الاستقلال التكنولوجي
ومن أجل تحويل هذه الدروس إلى فرص للتطوير البنيوي، لا بد للعالم العربي من الانتقال من موقع المستخدم إلى موقع المنتج والمطوّر. وذلك لن يتحقق إلا بتخصيص ميزانيات واضحة للبحث العلمي، وتوطين الصناعات التقنية، وبناء شراكات استراتيجية مع المراكز البحثية والشركات العالمية، بما يسمح بنقل المعرفة وتطوير قاعدة صناعية مستقلة. الاستثمار في التعليم النوعي بمجالات العلوم والهندسة والتكنولوجيا هو حجر الأساس لبناء جيل جديد من العلماء والمبتكرين القادرين على قيادة التحول القادم.
المعرفة هي السلاح الأهم في موازين القوة الجديدة
هذه المرحلة التاريخية تضع المنطقة أمام خيار حاسم يتمثل في إما الاستمرار في دوامة التبعية، أو الانطلاق نحو صناعة مستقبل يقوم على الابتكار والمعرفة والقدرة على التكيف السريع مع التغيرات. الحقيقة التي يجب أن نتقبلها هو أن التاريخ لن يرحم المجتمعات التي تكتفي بالمشاهدة من بعيد، بينما الآخرون يصنعون أدوات قوتهم.
ولعل أكثر ما تحتاجه المنطقة اليوم هو إدراك أن القوة في القرن الحادي والعشرين أصبحت تُقاس بمدى القدرة على التحكم في البيانات، وتوليد المعرفة، وتطويع التكنولوجيا لخدمة الإنسان والأمن والاستقرار. من الواضح بأن المستقبل سيكون لمن يمتلك القدرة على توجيه التكنولوجيا بوعي استراتيجي، وتوظيفها في حماية مصالحه وبناء تقدّمه.