بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

متفوقو مدارس STEM على الهامش

الأزمــــات تلاحــــــق عبـــــــاقرة مصـــــر

بوابة الوفد الإلكترونية

التنسيق الجامعى.. الضغط النفسى.. المناهج المكثفة أبرز مشكلاتهم: 

بعد 3 سنوات من البحث يلتحقون بجامعات لا تعترف بقدراتهم

مشروعات بحثية تماثل مشروعات تخرج طلاب كليات الهندسة دون رعاية

أولياء الأمور يصرخون... لماذا يُعاقب أبناؤنا؟ 

خبراء يحذرون من آثار الإهمال على الطلاب

فى وقت تراهن فيه الدولة على الاستثمار فى العقول باعتباره حجر الأساس للتنمية وبناء مستقبل قادر على المنافسة، وتضع الابتكار والبحث العلمى فى صدارة أولوياتها، تبرز مدارس المتفوقين فى العلوم والتكنولوجيا (STEM) كنموذج تعليمى استثنائى، صمم لكسر القوالب التقليدية للتعليم، وصناعة طالب يفكر ويحلل ويبتكر، ولا يكتفى باستدعاء المعلومة أو حفظها، فهذه المدارس لم تُنشأ باعتبارها مساراً تعليمياً موازياً للثانوية العامة، بل تستهدف إعداد كوادر علمية قادرة على المنافسة عالمياً فى مجالات العلوم والهندسة والتكنولوجيا.

غير أن هذا النموذج، الذى يمر فيه الطالب برحلة شاقة تبدأ بانتقاء صارم، وتمتد إلى دراسة علمية مكثفة ومشروعات بحثية تطبيقية معقدة، يصطدم فى محطته الأخيرة بتحديات مصيرية تتعلق بالتنسيق الجامعى وآليات التقييم ومعايير العدالة التعليمية فرغم خصوصية نظام STEM واختلاف أدوات قياسه، يجد الطالب نفسه خاضعاً لمنظومة قبول جامعى تتعامل معه بالمنطق ذاته المطبق على أنظمة تعليمية تقليدية، لا تعكس طبيعة الجهد البحثى والمهارى الذى بُنى عليه هذا المسار.

ومع تصاعد شكاوى أولياء الأمور والطلاب، تتكشف فجوة واضحة بين فلسفة تعليم STEM وسياسات القبول الجامعى، خاصة فيما يتعلق بمعامل التفوق، ونظام الشرائح، واتساع الفجوات الرقمية، فضلاً عن غياب مسارات جامعية واضحة تستوعب مخرجات هذا التعليم المختلف، وهى فجوة تطرح تساؤلات أعمق حول مدى قدرة المنظومة التعليمية الحالية على احتضان المتفوقين علمياً، وتحويل تفوقهم من عبء نفسى وضغط مستمر إلى قيمة مضافة حقيقية تخدم الدولة وسوق العمل.

وفى هذا السياق ترصد «الوفد» شهادات أولياء أمور طلاب مدارس STEM، كاشفةً عن تفاصيل المعاناة اليومية التى يعيشها الطلاب، سواء داخل الفصول الدراسية أو فى السكن الداخلى وظروف الاغتراب، وصولاً إلى لحظة التنسيق الجامعى، التى تحولت لدى كثيرين من تتويج لمسيرة التفوق إلى اختبار قاس للعدالة التعليمية.

تروى إحدى الأمهات أن التحاق أبنائهن بمدارس المتفوقين فى العلوم والتكنولوجيا لا يبدأ من باب الرغبة فقط، بل من مسار طويل من التصفية والاختبارات القاسية وأكدت أن امتحانات القبول تكون على مستوى عالٍ من الصعوبة، وتوضع بواسطة المركز القومى للامتحانات، الذى يضم نخبة من أساتذة الجامعات القائمين على إعداد امتحانات الثانوية العامة، موضحة أن كل المتقدمين من أوائل الشهادة الإعدادية، الحاصلين على 98% فى المواد العلمية، ومع ذلك لا يضمن التفوق القبول فى ظل منافسة شديدة بين عشرات الآلاف من الطلاب، ومن بين هذا العدد يتم قبول ما يتراوح بين 1800 إلى 2000 طالب فقط، يتم توزيعهم على مدارس STEM على مستوى الجمهورية وفقاً للترتيب الدقيق لدرجاتهم، وهو ما يعكس حجم الضغط النفسى الهائل الواقع على الطالب والأسرة منذ اللحظة الأولى.

وتنتقل أم أخرى للحديث عن طبيعة الدراسة هذه المدارس، مؤكدة أنها تختلف جذرياً عن أى نظام تعليمى تقليدى، فلا توجد كتب مدرسية، بل يعتمد الطالب على المراجع العلمية والمحاضرات والبحث الذاتى المستمر، موضحة أن الطالب فى الصف الأول الثانوى يدرس مناهج تعادل فى مستواها العلمى مناهج الصف الثالث الثانوى العام، بل وتتجاوزها فى بعض الجوانب التطبيقية، ما يتطلب جهداً ذهنياً مضاعفاً وقدرات بحثية عالية، مؤكدة أن الطلاب مدركون تماماً لطبيعة التحدى، ولديهم هدف واضح يتمثل فى التفوق العلمى الحقيقى، وليس مجرد الحصول على مجموع مرتفع.

وتضيف أن نظام STEM لا يقوم على الحفظ أو التلقين، بل على الفهم والتحليل والبحث واكتساب المعرفة من مصادر متعددة، وهو ما يضع الطالب فى حالة دراسة مستمرة طوال العام الدراسى، دون فترات راحة حقيقية.

وتؤكد إحدى الأمهات أن الجانب الأكثر تميزاً والأكثر إرهاقاً هو نظام المشروعات العلمية، حيث يُلزم كل طالب بتنفيذ مشروعين سنوياً يستهدفان حل مشكلات واقعية يواجهها المجتمع المصرى، وتخضع هذه المشروعات لتقييم دقيق من لجان متخصصة من أساتذة كليات الهندسة، ويعمل عليها الطلاب فى مجموعات تتكون من أربعة أو خمسة طلاب وفق معايير علمية صارمة.

وتضرب الأم مثالاً بتجربة نجلها، الذى نفذ فى الفصل الدراسى الأول مشروعاً لتصميم كوبرى خشبى قادر على تحمل أوزان محددة مع إمكانية فتحه وغلقه فى حالات الطوارئ، بينما تضمن مشروع الفصل الدراسى الثانى توليد الكهرباء باستخدام مصادر طبيعية مثل الرياح أو المياه عبر توربينات وتشير إلى أن مثل هذه المشروعات عادةً ما ينفذها طلاب كليات الهندسة فى سنوات متقدمة، بينما يُطلب من طلاب STEM تنفيذها وهم فى سن الخامسة عشرة.

السكن الداخلى معاناة صامتة 

ولا تقتصر المعاناة على الجانب الأكاديمى فقط، بل تمتد إلى السكن الداخلى، خاصة أن مدارس STEM موزعة على محافظات محددة، ما يفرض على الطلاب الاغتراب عن أسرهم فى سن مبكرة تقول إحدى الأمهات أن أبناءهن يعيشون فى السكن الداخلى طوال العام الدراسى، فى ظل ضغوط نفسية وعلمية كبيرة، ومعاناة يومية تتعلق بالبعد عن البيت والالتزام الصارم بنظام لا يراعى دائماً احتياجات المراهقين النفسية، وتضيف أن بعض الطلاب يعانون من الإرهاق الشديد والضغط العصبى نتيجة الجمع بين الدراسة المكثفة والمشروعات والتقييم المستمر، دون دعم نفسى كافٍ داخل السكن.

صدمة ما بعد التفوق

وعلى الرغم من كل هذا الجهد، تؤكد الأمهات أن الصدمة الكبرى تأتى فى مرحلة التنسيق الجامعى، حيث يتم التعامل مع طلاب STEM بدرجة إنصاف أقل من طلاب الثانوية العامة، حيث إن تنسيق طلاب STEM يأتى بعد انتهاء مراحل تنسيق الثانوية العامة، ما يضع الطلاب فى حالة ترقب وضغط نفسى شديد، ويجعل سنوات التفوق والعمل البحثى المكثف وكأنها لا تُترجم إلى ميزة حقيقية فى القبول الجامعى.

وتشير إحدى الأمهات إلى أن المشكلة الأساسية تكمن فى سياسات التنسيق التابعة لوزارة التعليم العالى، التى لا تراعى طبيعة دراسة طلاب STEM القائمة على الابتكار والبحث العلمى والتفكير النقدى، وهى طبيعة تختلف كلياً عن النمط التقليدى للتعليم.

معامل التفوق

علاوة على ذلك طالبت الأمهات بالحفاظ على معامل التفوق وعدم المساس به، مؤكدات أن أبناءهن يستحقون نفس الحوافز التى يحصل عليها الطلاب المتفوقون رياضياً، سواء من حيث الدرجات أو المميزات الداعمة لتفوقهم الدراسى. وتحذر إحدى الأمهات من أن إلغاء معامل التفوق يمثل إجحافاً بحق طلاب بذلوا جهداً استثنائياً وحققوا نتائج علمية متميزة، كما تطالب بإعادة النظر فى نظام الشرائح الذى يوسع الفجوات الكبيرة بين الدرجات، وتشدد على أن اتساع الفارق الرقمى بين طالب متفوق وآخر قد يحرم عدداً من الطلاب المجتهدين من الالتحاق بكليات تتناسب مع قدراتهم الفعلية، رغم تقارب مستواهم العلمى.

وتختتم الأمهات شهاداتهن بالتأكيد على ضرورة إعادة النظر الشاملة فى آليات تنسيق طلاب STEM، بما يحقق العدالة التعليمية، ويضمن الاستفادة الحقيقية من قدراتهم العلمية والبحثية، بدلاً من ترك التفوق حبيس الأرقام أو عبئاً نفسياً يدفع بعض الطلاب إلى الندم على اختيار هذا المسار من الأساس.

الدكتور تامر شوقى، الخبير التربوى 
الدكتور تامر شوقى، الخبير التربوى 

بين التميز والضغط النفسى

يوضح الدكتور تامر شوقى، الخبير التربوى وأستاذ علم النفس التربوى بجامعة عين شمس، أن مدارس المتفوقين فى العلوم والتكنولوجيا (STEM) أُنشئت أساساً لإعداد طالب باحث ومفكر، لا مجرد متلقٍ للمعلومة يعتمد على الحفظ، مؤكداً أن هذه المدارس تركز على مجالات الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا، وهى محرك التقدم فى أى دولة.

ويضيف شوقى أن الاهتمام بعلوم العصر، وعلى رأسها التكنولوجيا، والبرمجة، والذكاء الاصطناعى، أصبح ضرورة حتمية، خاصة مع توسع تأثير هذه المجالات فى الاقتصاد والتعليم والإعلام والحياة اليومية. ويشير إلى أن مدارس STEM وضعت هذه العلوم فى صميم برامجها منذ نشأتها عام 2010، ما منحها طابعاً فريداً يميزها عن أنظمة التعليم التقليدية.

وبين شوقى أنه من أبرز مزايا هذه المدارس أنها تقبل فئة محددة من الطلاب المتفوقين فى المرحلة الإعدادية، الحاصلين على مجموع لا يقل عن 95%، مع اشتراط الدرجة النهائية فى مادتين على الأقل، أو 98% مع الدرجة النهائية فى مادة واحدة على الأقل من مواد الرياضيات أو العلوم أو اللغة الإنجليزية، ما يجعلها تضم نخبة من المتفوقين علمياً.

ويشير إلى أن الدراسة داخل هذه المدارس تعتمد على منهج تكاملى يربط بين أكثر من تخصص، مثل دراسة «الطاقة» عبر الفيزياء والكيمياء والرياضيات واللغة الإنجليزية، بهدف تنمية التفكير النقدى والتكاملى والإبداعى لدى الطالب، بخلاف التعليم التقليدى الذى يفصل بين المواد الدراسية.

ورغم نجاح هذه المدارس فى إعداد طالب مفكر ومتميز نوعياً، ألا أن شوقى يشدد على وجود ضغوط نفسية وأكاديمية كبيرة يعانى منها الطلاب، إذ يلتحقون بها فى سن صغيرة، ويضطرون للتكيف سريعاً مع الحياة الداخلية الصارمة والمناهج المكثفة، مع خضوعهم لسلسلة طويلة من الاختبارات والمشروعات البحثية الجماعية.

وفيما يخص القبول الجامعى، يوضح شوقى أن نظام «النسبة المرنة» لطلاب STEM له مزايا وعيوب، فهو يخصص مقاعد لطلاب هذه المدارس حتى لو حصلوا على مجموع منخفض نسبياً، لكنه قد يقلص فرص بعض المتفوقين بسبب الربط بعدد المقاعد بين طلاب STEM وطلاب الثانوية العامة، مؤكداً أن طالب STEM الحاصل على 60% قد يعادل مستوى طالب حصل على 90% فى الثانوية العامة، ما يستدعى إعادة النظر فى آليات التنسيق.

ويقترح شوقى إنشاء تنسيق جامعى منفصل ومستقل لطلاب STEM، على غرار بعض المسارات التعليمية الأخرى، لضمان العدالة وعدم تحويل هؤلاء الطلاب إلى «أوائل على الهامش»، مؤكداً أن إنصافهم يتطلب تكامل أدوار وزارتى التربية والتعليم والتعليم العالى، عبر تطوير البنية التحتية، سد العجز فى المعلمين، تحسين الخدمات اللوجستية، والاستماع لشكاوى الطلاب وأولياء الأمور، إلى جانب تعديلات تشريعية عادلة فى القبول الجامعى.

ويشير شوقى إلى وجود عجز فى أعداد الأخصائيين النفسيين والمعلمين المؤهلين للتعامل مع هذه الفئة من الطلاب، مطالباً وزارة التربية والتعليم بزيادة الكوادر ورفع كفاءة المعلمين من خلال برامج تدريبية متخصصة، مشدداً على أن الدعم النفسى للطالب المتفوق ليس رفاهية بل ضرورة، نظراً لضغوط التفوق المستمر وصعوبة المناهج والبعد عن الأسرة.

الدكتور طارق مقلد، الباحث التربوى
الدكتور طارق مقلد، الباحث التربوى

عقوبة بدلاً من الدعم

يؤكد الدكتور طارق مقلد، الباحث التربوى، أن مدارس STEM لم تُنشأ كمشروع شكلى، بل كمشروع تعليمى خارج القوالب التقليدية، يستهدف إعداد طالب قادر على التفكير النقدى والابتكار، إلا أن الواقع الحالى يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان هذا التفوق يُقابَل اليوم بالعقاب بدلاً من المكافأة.

ويشرح مقلد أن طلاب STEM يخضعون لنظام تعليمى معقد يعتمد على المشروعات البحثية والعمل الجماعى والتقييم التراكمى، ومع ذلك يتم اختزال جهودهم عند مرحلة التنسيق الجامعى فى رقم واحد، ثم مقارنتهم بمجاميع طلاب خاضوا مساراً تعليمياً مختلفاً، ما يمثل شكلاً من أشكال الظلم المقنع.

ويحذر مقلد من الأثر النفسى الخطير لهذا النظام، مشيراً إلى ضغوط دراسية كبيرة، وحالة من القلق مع تأخر إعلان التنسيق، ليصطدم الطالب بنتائج لا تعكس جهده، ما يقلل ثقته بنفسه ويحول التفوق من ميزة إلى عبء نفسى.

ويشدد الخبير التربوى على أن إنقاذ تجربة STEM لا يتحقق بإلغائها أو تجميلها إعلامياً، بل يتطلب إصلاحاً جذرياً، يشمل تنسيقاً جامعياً مستقلاً وعادلاً، وإنشاء مسارات جامعية واضحة، ودعم نفسى وأكاديمى مستدام، مؤكداً أن العدالة التعليمية لا تعنى توحيد الأرقام، بل احترام الاختلاف، محذراً من أن معاقبة التفوق تهدد مستقبل التعليم والدولة معاً.