بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الزاد

ليس فرحا لكنه... إنذار

بالصدفة البحتة، وقعت تحت عينيّ مقاطع مصوّرة لأشخاص يُطلق عليهم «تيك توكرز» أو «صنّاع محتوى» وبعضهم من مغنّي الأفراح الشعبية. لم أكن باحثًا عنهم، ولم أسعَ لمتابعتهم، لكن العالم الافتراضى دفع بهم إلى شاشتى، ودفعنى الفضول – وربما القلق – لمشاهدة ما يحدث.

ثم جاءت الصدمة.

مشاهد من أحد الأفراح، لشخص لا أعرفه، لكنه «تيك توكر» على حدّ ما عرفت. المهم أنّ ما حدث كان تدافعًا غير إنسانى، واختلاطًا فوضويًا بين الرجال والسيدات، وسلوكيات لا تليق بالمجتمع المصرى، ولا بقيمه، ولا بتاريخه. شعرت للحظة بأنّنى لا أعيش فى مصر التى أعرفها، أو بأنّنى انتقلت إلى عالم آخر، كوكب آخر، لا يشبهنا ولا يشبه ما تربّينا عليه.

نحن – أو هكذا كنّا – مجتمعًا يحترم المرأة، يحرص عليها، ويحميها من أى سلوك غير لائق. هكذا تعلّمنا، وهكذا هى مصر الحقيقية. ما شاهدته لا يمكن أن يُنسب إلى هذا المجتمع، ولا يجوز أن يُختزل فى كونه «فرحًا شعبيًا» أو «حالة فردية». ما حدث مؤشر أخطر من ذلك.

الأخطر أنّ هذه السلوكيات لم تعد حبيسة الشاشات، بل انتقلت من العالم الافتراضى إلى الواقع، وأصبحت تُمارَس علنًا، وكأنها أمر طبيعى. هنا فقط، شعرت بالخوف الحقيقى... الخوف على مصر.

نحن – كإعلام وصحافة ومؤسسات ثقافية – مقصّرون. تركنا شريحة واسعة من الناس نهبًا لمنصّات بلا ضوابط، وبلا وعى، وبلا بديل حقيقى. تركناهم يصنعون وعيهم بأنفسهم، وفق ما تفرضه «الترندات» وعدد المشاهدات، حتى تحوّل السلوك المنفلت إلى نموذج يُحتذى، ويُقلَّد، ويُحتفى به.

وأنا أتابع تلك المشاهد، تذكّرت الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى كان – كعادته – أسبق منا جميعًا فى قراءة المشهد. حين تحدّث بإصرار عن «بناء الإنسان»، لم يكن يتحدّث عن شعار، بل عن خطر حقيقى قادم. بناء الإنسان لا يعنى حجرًا وأسمنتًا فقط، بل بناء الوعى، وبناء القيم، وبناء الذوق العام.

الثقافة، والإعلام، والدين... هذه هى خطوط الدفاع الأولى عن المجتمع. حين تضعف، يظهر الفراغ، ويملؤه أى شىء، مهما كان مشوهًا أو خطرًا. بناء الإنسان ثقافيًا ودينيًا هو الحماية الحقيقية للبلد، قبل أن يكون حماية للأفراد. لكننا تركنا الشباب للفراغ، لا ثقافة ولا توعية.

ما شاهدته نماذج لم نعرفها فى مصر من قبل. نماذج مريضة، لذلك فالحل لا يكون بالقمع، بل بالعلاج والتقويم والاحتواء والتوعية. هذا الفرح، بما حدث فيه، يجب ألّا يمرّ مرور الكرام. هو شرارة، وجرس إنذار مبكر.

هذا ليس شباب مصر.

وهذا ليس المجتمع المصرى.

رسالتى واضحة وصريحة:

يا مسئولى الثقافة، يا مسئولى الأوقاف، يا مسئولى الإعلام... أين أنتم؟ أين بدوركم؟. دوركم ليس فى التقاط الصور، ولا فى المؤتمرات، ولا فى القاعات المكيّفة ولا البيانات التى تحمل أرقاما على الورق ولكنها فى الواقع فراغ. دوركم الحقيقى بين الناس، فى الشارع، فى المدارس، فى مراكز الشباب، فى قصور الثقافة، فى المساجد، فى الأحياء والقرى.

انزلوا إلى الواقع، قبل أن يفرض علينا واقعًا لا يشبهنا.

نفّذوا رؤية الرئيس، واعملوا بجد على بناء الإنسان المصرى... قبل أن يصبح الخطر أكبر، وأصعب، وأغلى ثمنًا.

لا تتركوا الناس للفراغ، وبالتالى يصنع كل شخص عالمه الذى يعيش فيه.

التعامل مع ما حدث باعتباره «فرحًا وانتهى» لا يبدو كافيًا. بعض المشاهد، وإن بدت عابرة، تحمل دلالات تستحق التوقف والدراسة. ما جرى لا يمكن فصله تمامًا عن سياق أوسع يتعلّق بتغيّر بعض السلوكيات وتراجع الذوق العام فى مساحات من المجتمع. تجاهل هذه الإشارات قد يؤدى إلى تكرارها، ليس بقصد، ولكن نتيجة الاعتياد. ومن هنا، تصبح المراجعة الهادئة والمسئولة ضرورة، من أجل الفهم والتقويم والحفاظ على ما تبقى من توازن مجتمعى.