بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

خطورة فوضى المنصّات والمواقع الإلكترونية

لم تعد القضية مرتبطة بمشهدٍ عابر، أو باسمٍ يتصدّر منصّة ثم يختفي، بل أصبحت مسألة تمس البِنية العميقة للمجتمع ذاته. ما نراه اليوم من انفلات ٍ في المحتوى، وانتشار نماذج هابطة تُقدَّم باعتبارها أمرا ً طبيعيا ً أو حتى مسلّيا ً، ليس سوى عرض ٍ لمرض ٍأوسع؛ مرض غياب الضابط، واختلاط الحرية بالفوضى، والشهرة بالقيمة.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود محتوى سيّئ فحسب، فالمجتمعات عبر التاريخ عرفت الغثّ والسمين، لكنها كانت تمتلك ميزانا ً يفرز، ويُهَمَّش، ويمنع تحوّل الرداءة إلى قدوة. الخطر اليوم أن هذا الميزان قد اختلّ، بل كاد يختفي، في ظل منصّات رقمية لا ترى في المحتوى إلا قدرته على جذب الانتباه وإطالة زمن المشاهدة، بغضّ النظر عن أثره الأخلاقي أو الاجتماعي.
المنصّات الإلكترونية لم تعد مجرّد وسائط حيادية ! هي كيانات ضخمة تُدار بخوارزميات تكافئ الصادم، والغريب، والمبتذل؛ لأن ذلك يضمن أعلى معدلات التفاعل. حين يصبح الاستفزاز هو الطريق الأسرع للانتشار، تتحوّل المنصّة من مساحة تعبير إلى مصنع يعيد إنتاج الإسفاف بشكلٍ ممنهج، لا عشوائي.
وتأتي المواقع الإلكترونية لتكمل الحلقة؛ فكثيرٌ منها تخلّى عن دوره المهني، وعن مسؤوليته كحارس ٍللذوق العام، واختار مطاردة ما يضمن المشاهدة حتى لو كان المحتوى إساءة صريحة للقيم أو للعقل الجمعي .. هنا لا نتحدث عن خطأ تقدير، بل عن قرار واعٍ  بتقديم السهل على الصحيح، والضجيج على المعنى، والانتشار على المسؤولية.
وهنا يفرض السؤال نفسه بوضوح: من الجهة المسؤولة عن ضبط هذا المشهد؟
في الدولة المصرية لا يمكن ترك هذا الملف بلا مخاطَب ٍ محدد؛ فالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هو الجهة المنوط بها قانونا ً تنظيم ومراقبة أداء المواقع الإلكترونية والمحتوى الإعلامي الرقمي ومنح التراخيص واتخاذ الإجراءات الرادعة عند المخالفة، ويليه دور الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في ضبط الفضاء الرقمي والتنسيق مع المنصّات العاملة داخل الدولة، وحماية المجتمع من الاستخدام الضار للمحتوى الرقمي. 
كما تبقى على السلطة التشريعية مسؤولية لا تقل أهمية، تتمثل في تحديث الأطر القانونية بما يواكب خطورة التأثير الرقمي المتسارع، وسدّ الفجوة بين تطوّر الواقع وبطء النصوص.
غياب التفعيل الجاد لهذه الأدوار لا يعني غياب المسؤولية بل يعني ترك المجتمع مكشوفا ً أمام فوضى لا يحكمها ميزان، ولا تضبطها قيمة.
ولا يمكن إعفاء المجتمع نفسه من المسؤولية؛ فالمشاهد، والمتابع، والمشارك في الترويج – حتى لو بدافع السخرية أو الغضب – يساهم دون أن يدري في صناعة هذه الظواهر. كل تفاعل يمنح المحتوى حياة أطول وتأثيرا ً أعمق، وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ حين نرفض الظاهرة قولا ً، ونغذّيها فعلا ً.
إن خطورة استمرار هذه الفوضى لا تظهر دفعة واحدة، بل تتسلّل بهدوء ورويداً رويدا ً فالخطر الحقيقي ليس في فيديو، ولا في مناسبة هزلية، بل في إعادة تشكيل الذوق العام، وفي تطبيع الرداءة حتى تصبح هي القاعدة، ويصبح الاعتراض عليها نوعا ً من التعقيد أو التشدد. 
حين يكبر جيل يرى السقوط شهرة، والضجيج نجاحا ً، والابتذال حرية شخصية، نكون أمام تآكل صامت لقيم المجتمع، لا أمام مشكلة عابرة.
إلى متى تستمر هذه الحالة؟ مع الأسف ستستمر ما دام التعامل معها يتم بردود أفعال موسمية، أو غضب عاطفي بلا رؤية .. وستتراجع فقط حين ندرك أن حماية المجتمع لا تعني كبت التعبير، بل وضع حد ٍ فاصل بين الحرية والعبث، وبين الإبداع والتسيّب، حينها فقط يمكن استعادة الميزان ومنح المساحة لمن يستحق الضوء، لا لمن يفرض نفسه بالضجيج.
المجتمعات لا تنهار فجأة؛ لكنها تضعف حين تتصالح مع الرداءة وتمنحها المنصّة، وتتركها بلا ضوابط ولا مساءلة. والسؤال الذي يجب أن يظل حاضرا ً ليس: من المخطئ؟
بل: هل نقبل أن يتحوّل ما نراه اليوم من مهزلة وتردّي  إلى واقعٍ دائم نُسلّمه لأبنائنا دون مقاومة؟