زهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الدنيا
من المؤكد أن زُهد النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يكن فقرًا، ولا حرمانًا، بل كان اختيارًا واعيًا، يعلِّم القلوب أن متاع الدنيا زائل، وأن السعادة الحقيقية في القرب من الله تعالى. ولقد ضرب -صلى الله عليه وسلم- للأمة أروع الأمثلة في الترفع عن زخارف الدنيا؛ ليبقى -صلى الله عليه وسلم- قدوة خالدة في توجيه النفوس نحو الدار الآخرة.
ولم يعرف التاريخ زهدًا أصفى، ولا أعمق من زهد المصطفى –صلى الله عليه وآله وسلم، الذي ملك مفاتيح الدنيا كلها، ثم أعرض عنها طوعًا؛ ليعلّم البشرية أن العظمة في الترفع لا في التملك.
من فضائل الأعمال "الزهد في الدنيا":
والزهد في الدنيا من فضائل الأعمال التي لا يقوى عليها إلا خاصة الأولياء الذين ملئت قلوبهم بذكر الله، وكمال الرغبة في نعيم الآخرة، فهانت الدنيا في نفوسهم، واستحقروها، وأعرضوا عن زينتها، وتقللوا منها قال جل جلاله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: ٢٨]، وقال جل جلاله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:٢]، قال سفيان الثوري: "أحسن عملًا أزهدهم فيه"، وقال ابن عمر -رضي الله عنهما: «أخَذَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بمَنْكِبِي، فَقَالَ: «كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»؛ وكانَ ابنُ عُمَرَ، يقولُ: «إذَا أمْسَيْتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وإذَا أصْبَحْتَ فلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وخُذْ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، ومِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» [رواه البخاري برقم (٦٠٥٣)]، وجاء رجل لمحمد بن واسع، فقال: "أوصني، قال: أوصيك أن تكون ملكاً في الدنيا والآخرة، قال: كيف؟ قال: ازهد في الدنيا".[إحياء علوم الدين للغزالي، ٤/ ٥٥].
ومعنى "الزهد": الإعراض عن زينة الدنيا، والاستخفاف بشأنها، والرضا بالقليل منها.
قال ابن رجب: "ومعنى الزهد في الشيء الإعراض عنه؛ لاستقلاله، واحتقاره وارتفاع الهمة عنه يقال: شيء زهيد أي قليل حقير، وقد تكلم السلف ومن بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا، وتنوعت عباراتهم عنه". [جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، ٢/ ٨٥٦].
وزهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وثيق الصلة بكرمه، وكثرة إنفاقه؛ فقد كان -صلى الله عليه وسلم- لا يأخذ من الدنيا إلا ما يقيم أَوَدَهُ، لا يجاوز حدَّ الكفاف، وكان -صلى الله عليه وسلم- دائمًا ما يدعو ربه فيقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا». [رواه مسلم برقم (١٠٥٥)].
زهد النبي- صلى الله عليه وسلم- (صور عملية):
لقد كانت حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- مدرسة عملية في الزهد، تتجلى في كل شيء يملكه من مسكن ومأكل ومشرب، وملبس، وحتى في نظرته إلى المال، وفيما يلي نبين بشيء من البسط ذلك:
أ- زهده -صلى الله عليه وسلم- في المسكن:
كان بيت الرسول -صلى الله عليه وسلم- متواضعًا للغاية، جاء الحديث عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- قالت: «إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمًا حَشْوُهُ لِيفٌ» [رواه مسلم برقم (٢٠٨٢)]، ودخل عليه عمر -رضي الله عنه- فوجده نائمًا على حصير قد أثَّر في جنبه، فقال: "يا رسول الله، لو اتخذت فراشًا أوطأ من هذا!" فردَّ عليه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قائلًا: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا». [رواه الترمذي برقم (٢٣٧٧)].
ب- زهده -صلى الله عليه وسلم- في المأكل والمشرب:
كان طعامه -صلى الله عليه وآله وسلم- أبسط ما يكون؛ فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم». [رواه مسلم برقم (٢٩٧٠)]، وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «لَمْ يَأْكُلِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم - عَلَى خِوَانٍ – مائدة - حَتَّى مَاتَ، وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا (منخولًا ناعمًا) حَتَّى مَاتَ» [رواه البخاري برقم (٦٠٨٥)]، وكان يمر عليه الشهران ولا يوقد في بيته نار للطبخ، يعيش هو وأهله على التمر والماء، ولم يكن هذا عن عَوَز، بل كان يطعمه ربه، ويسقيه، وكان -صلى الله عليه وآله وسلم- لا يقبل على طعام الدنيا كثيراً، وتبعه أهله زهداً وجمالًا.
ج- زهده-صلى الله عليه وسلم- في الملبس:
كان لباس النبي -صلى الله عليه وسلم- بسيطاً، ولم مبهرجًا، جاء الحديث عن أبي بردة -رضي الله عنه- قال: «أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْيَمَنِ، وَكِسَاءً مِنْ هَذِهِ الَّتِي يَدْعُونَهَا الْمُلَبَّدَةَ وإزارًا غليظًا». [رواه البخاري برقم (٢٩٤١)]، فلم يعتد الأقمشة الفاخرة أو الألوان الزاهية، بل كان يكتفي -صلى الله عليه وسلم- بما يستر بدنه، ويقيه الحر والبرد-صلى الله عليه وسلم-.
د- زهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في المال:
لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يجمع المال بل كان ينفقه فور وروده عليه؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: مشيت مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ،...» [رواه البخاري برقم (٦٠٧٩)]، وعندما انتقل -صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى لم يترك دينارًا ولا درهمًا، ولا عقارًا، بل ترك سلاحه، وبَغْلَته، وأرضًا جعلها صدقة للمسلمين.