بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

فى الحومة

الطريق إلى كرسى سعد

نحن لسنا بصدد الحديث عن سردية تاريخية أو ملامح مشهد بسيط بل عميق جدا، فحزب الوفد المصرى لم يكن مجرد تنظم سياسى بل كان يمثل شرعية الشارع فى مواجهة القصر والاحتلال الأجنبى والحفاظ على ثوابت الأمة وحماية الهوية الوطنية والدفاع عن الدستور والمسار الديمقراطى، لذا فإن القراءة عنه هى قراءة فى كيفية تشكيل الهوية المصرية الحديثة باعتباره ضميرا للأمة، وقد كتب طه حسين عميد الأدب العربى أن الوفد ليس مجرد حزب سياسى بالمعنى الضيق للكلمة بل هو حركة قومية شاملة عبرت عن رغبة المصريين فى الاستقلال والكرامة، واعتبر أن قوة الوفد استمدها من كونه يمثل العقل الجمعى للمصريين حتى تمثل إليه أن الوفد هو الشعب، كما وصف عباس العقاد الوفد بأنه الحزب الذى نقل مصر من حكم الفرد إلى حكم المؤسسات الشعبية، وأن الوفد هو الذى خلق الرأى العام فى مصر لأول مرة، كما أن المفكر والمؤرخ طارق البشرى وصف الوفد بأنه عمود الخيمة فى النظام السياسى المصرى، حيث أنه كان صاحب الشرعية الوحيدة التى كانت تقف فى وجه شرعية القصر وشرعية الاحتلال، ويبقى الوفد هو الحزب الوحيد الذى استطاع أن يجمع بين الباشوات والأفندية والفلاحين والمسلمين والاقباط فى بوتقة واحدة وهى سر قوته الاستثنائية التى لم تتكرر فى أى حزب آخر، ولقد كان الزعيم الهندى المهاتما غاندى قد أبدى إعجابه بنموذج الوفد فى «الوحدة الوطنية» وكان يرى فى ثورة 1919 ملهماً لحركات التحرر فى آسيا ووصف سعد زغلول بأنه أخ فى الكفاح، وقد رسخ سعد زغلول بمقولته الشهيرة «الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة» التى أصبحت دستور للوفديين، كما كان يرى النحاس باشا أن الوفد هو الحارس الوحيد للديمقراطية فى مواجهة تغول الملك، وكان يردد أنا لا أحكم إلا بإرادة الشعب، هذا وقد اتفق زعماء العالم محبين وكارهين على أن الوفد لم يكن حزبا سياسيا تقليديا بل كان مفوضا شعبيا يمتلك حق الفيتو على أى قرار يخص مستقبل مصر، وهو ما جعل القوى العظمى تخشاه وتعمل له ألف حساب، وكان ونستون تشرشل رغم عدائه الشديد لتطلعات مصر الاستقلالية ينظر للوفد كقوة سياسية عنيدة ومرتبطة بالأرض، وكان يخشى دائما من قدرة الوفد على تحويل المفاوضات السياسية إلى ثورات شعبية عارمة، وكان اللورد ليمبسون يصف الوفد بأنه صعب التحكم فيه وأنه الوحش الذى لا يمكن ترويضه إلا بصعوبة، وكان يعترف فى تقاريره السرية بأن الوفد هو الجهة الوحيدة التى تملك القدرة على السيطرة على الشعب فى الشوارع ولذلك اضطروا للتعامل معه فى حادث ٤ فبراير ١٩٤٢، وقال اللورد ملنر وزير المستعمرات البريطانى بعد فشله فى ترويض الشارع المصرى فى تقريره الشهير، إن الوفد ليس مجرد حزب بل هو التجسيد القومى للأمة المصرية، واعترف بأنه لا يمكن إبرام أى اتفاقية مع مصر دون موافقة سعد زغلول لأن الكلمة النهائية له.

وبالرغم أن ويلسون خذل الوفد فى مؤتمر باريس للسلام باعترافه بالحماية البريطانية إلا أن التقارير الأمريكية فى ذلك الوقت كانت تصف الوفد بأنه أول حركة ديمقراطية حقيقية فى الشرق الأوسط تحاول محاكاة النظم الغربية فى المطالبة بالاستقلال، وكان الملك فيصل الأول ملك العراق ينظر للوفد كنموذج رائد للعمل الحزبى المنظم، وكان يقول إن الوفد استطاع أن يخلق هوية وطنية مصرية خالصة تفوق فى تماسكها الكثير من الحركات القومية الأخرى، وقد وصف الوفد وهو فى أوج قوته بأنه الحكومة الحقيقية لمصر حتى وهو خارج السلطة، فى إشارة إلى أن شرعية الوفد فى الشارع كانت أقوى من شرعية الحكومات التى يعينها الملك، والحديث عن الوفد حديث لا نهاية له فهو الحزب الوحيد الذى نشأ من رحم الأمة، ومنذ مائة وسبعة أعوام وهو صامد يتحدى كل العواصف ويقاوم سلطان الحكومات والقوى السياسية المختلفة التى تخشى مصيرها عندما تتاح للوفد وضعية تسمح له بالعودة إلى سابق عهده، واليوم يفتح باب الترشيحات لرئاسة حزب الوفد والجلوس على كرسى سعد زغلول هذا المقعد الذى اعتلاه زعماء الامة سعد والنحاس وسراج الدين، حيث الآمال منعقدة بعودة الروح إلى بيت الأمة لتفتح الأبواب والنوافذ لاشراقة جديدة تلعب دورا سياسيا فى المشهد السياسى المصرى، ويأمل المصريين قبل الوفديين بأن تسطر هذه الانتخابات ملحمة وفدية لحسن الاختيار وبزوغ فجر جديد لعودة الوفد إلى تاريخه ومبادئه ليصنع من جديد بفضل قوته الذاتية وماضيه العريق مستقبل باهر يليق بطموحات وآمال الوفديين.