بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

فيلم "الأب".. الصدمة المدمرة

من سلوفاكيا يأتي هذا الفيلم البديع المدهش، بأسلوبه الصادم والجذاب في آن، يصور موضوعا جديدا تماما على السينما، وقد دهشت شخصيا لقدرة مخرجته الشابة تيريزا نفوتوفا، على التحكم والسيطرة الكاملة، بل وعلى تدفق سياق السرد دون أن يفلت منها الإيقاع لحظة واحدة، أو يختل التوازن الدقيق للعمل بأسره، بحيث يظل يستولي على أذهان وعقول ومشاعر المشاهدين.
أهم ما يلفت النظر في هذا الفيلم موضوعه الجديد تماما على السينما والدراما بشكل عام، الذي يدور حول "مايكل"، وهو أبّ عادي يعيش حياة مستقرة مع زوجته وابنته الصغيرة في عمر الزهور. زوجته لديها ما يشغلها في ذلك اليوم الذي سيصبح أطول يوم في تاريخ حياته وعنده سيتوقف الزمن، فيضطر هو لتوصيل ابنته بسيارته إلى الحضانة. يودعها وهي تركض ناحية المدخل ويستأنف سيره ويترك السيارة قرب مكان عمله ويصعد. 
مايكل هو رئيس تحرير مجلة أسبوعية تواجه مشاكل مالية خانقة. ذهنه مشغول بالتوصل إلى حل لمشكلة المجلة. بعد مرور نحو 6 ساعات تتصل به زوجته وتخبره أنها تلقت اتصالا من المدرسة يسألونها لماذا تغيبت الطفلة اليوم. مايكل يؤكد أنه أوصلها بنفسه، بل وشاهدها بنفسه وهي تدخل إلى المدرسة، ولكن بعد تأكيدات زوجته، يهرع إلى الشارع ليتفقد السيارة فيصدم الصدمة الأكبر في حياته. إنه يعرف الآن أنه ترك ابنته في المقعد الخلفي لسيارته تحت الشمس الحارقة عن غير قصد بسبب تعرضه لما يسمى بـ "متلازمة الطفل المنسي" وهي شبيهة بأن ينسى المرء تليفونه المحمول في السيارة مثلا، لكنه يكون واثقا أنه معه. إنها حالة عقلية تجعل المرء يستمر في قياة السيارة بشكل آلي دون تفكير، كما اعتاد أن يفعل يوميا.
منذ تلك اللحظة، ينهار عالم مايكل ويغرق في الشعور بالذنب والعجز. يواجه محاكمةً قد تقوده إلى السجن. تتفكك علاقته بزوجته ويصبح في نظر المجتمع قاتلا، ويعترف هو بانه هو الذي "قتل ابنته"، ولا يبدو أن هناك أي قوة في الأرض ستجعله يتزحزح عن شعوره العميق بالذنب.
جمال الفيلم أنه لا يبحث عن الأسباب، بل يتركز على تصوير التجربة النفسية لبطله، كيف ينهار الإدراك ويتراجع التواصل مع الواقع، مع بقاء الكاميرا لصيقة به، ونحن نرى كل ما يحدث من عينيه وضميره. وحتى بعد أن تدرك زوجته أنه لم يكن يقصد وأنه تعرض لحالة نفسية نادرة تصيب المخ البشري، من النسيان والتغاضي أو العمى عن إدراك الحقيقة والواقع، فإنه لا يستطيع قط أن يسامح نفسه. وأخطر ما يترتب على ما يصيبه من تشوش، ما يسيطر عليه من شعور بأنه لا يستحق الحياة بعد ما حدث. 
معظم مشاهد الفيلم، مصورة في لقطات طويلة تمتد إلى مشهد كامل، وهو أسلوب يعمق من الشعور بالاختناق وعدم القدرة على الهروب من الألم.
الفيلم لا يمنح خلاصًا أو نهاية مريحة؛ بل يُظهر أن التعايش مع الخطأ والمضي قدمًا قد يكون الإنجاز الأكبر الذي يمكن المرء أن يحققه ويستطيع بالتالي الاستمرار في العيش. لكن ليس في حالة مايكل، فهو يعجز عن مغادرة الشعور بالإثم. 
وكما يصبح مايكل آثما في نظر نفسه، يصبح مجرما في نظر المجتمع الذي كان قبل الحادث يقدره ويحترمه، رغم أن الحالة الطبية النادرة أصبحت معروفة وثابتة بتقارير الأطباء النفسيين الذين استعانت بهم المحكمة وبموجب شهاداتهم تم تبرئته من الإهمال والتسبب في القتل الخطأ.
ولعل أهم العناصر التي تجعل الفيلم شديد التأثير على المشاهدين، غير قادرين على رفع عيونهم عن الشاشة لحظة واحدة، إلى جانب السيناريو المحكم، والإخراج المتمكن، ذلك الأداء الفذ من جانب الممثل "ميلان أوندريك" الذي يقدم أداءً مؤثرًا في تصوير الانهيار الداخلي كما ينعكس، على الجسد والنفس.
الفيلم دراسة في الإنسانية عندما تتفتت أمام خطأ لا يمكن العودة عنه، وعمل سينمائي يدفع المشاهد للتساؤل: هل يمكننا أن نغفر لأنفسنا قبل أن يغفر لنا الآخرون؟ وما هو الثمن الحقيقي للبقاء بعد انهيار كل ما نحبه؟ 
هذا الفيلم مرشح قوي يمثل بلاده في فئة أفضل فيلم عالمي في مسابقة الأوسكار القادمة. وأعتبره دون شك، من أفضل أفلام العام 2025.