مفاجأة.. يونيسف تحذر من تبعات حظر مواقع التواصل الاجتماعي
مع بداية تطبيق قرار حكومي مثير للجدل، استيقظ ملايين الأطفال والمراهقين دون سن 16 عامًا ليجدوا أنفسهم خارج منصات التواصل الاجتماعي الأكثر استخدامًا، مثل تيك توك وإنستجرام ويوتيوب، في خطوة وُصفت بأنها واحدة من أكثر الإجراءات صرامة في تنظيم الفضاء الرقمي للأطفال.
القرار، الذي جاء بعد شهور من النقاشات والاعتراضات، يهدف بالأساس إلى حماية صغار السن من مخاطر الإنترنت المتزايدة، لكنه في الوقت نفسه فتح بابًا واسعًا للجدل حول فعاليته وتداعياته.
الحكومات التي تبنت هذا التوجه تبرر القرار بالتصدي لممارسات خطيرة أصبحت جزءًا من التجربة اليومية للأطفال على الإنترنت، مثل التنمر الإلكتروني، والاستغلال، والتعرض لمحتوى ضار يؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية والتوازن العاطفي، وتستند هذه الرؤية إلى تقارير ودراسات تربط بين الاستخدام المكثف لمنصات التواصل الاجتماعي وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم بين المراهقين.
لكن في المقابل، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» من أن حظر السوشيال ميديا اعتمادًا على العمر فقط قد لا يحقق الهدف المرجو، بل قد يأتي بنتائج عكسية، المنظمة رحبت من حيث المبدأ بتزايد اهتمام الحكومات بحماية الأطفال في الفضاء الرقمي، لكنها شددت على أن القيود الصارمة تحمل مخاطر حقيقية إذا لم تكن جزءًا من رؤية شاملة.
يونيسف أوضحت أن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل، بالنسبة لكثير من الأطفال، خصوصًا المعزولين أو المهمشين اجتماعيًا، شريانًا أساسيًا للتعلم والتواصل والتعبير عن الذات، وحرمان هؤلاء من المنصات بشكل كامل قد يدفعهم إلى البحث عن بدائل أقل أمانًا، أو اللجوء إلى طرق للتحايل، مثل استخدام أجهزة مشتركة أو منصات غير خاضعة للرقابة، وهو ما يصعّب عملية حمايتهم بدلًا من تسهيلها.
دور مواقع التواصل الاجتماعي:
وترى المنظمة أن القوانين القائمة على العمر يجب أن تكون جزءًا من إطار أوسع يوازن بين حماية الأطفال واحترام حقوقهم الأساسية، مثل الخصوصية والمشاركة، كما أكدت أن هذه التشريعات لا ينبغي أن تعفي شركات التكنولوجيا من مسؤولياتها المباشرة في تحسين تصميم المنصات وتطوير أدوات فعالة للإشراف على المحتوى.
من جانبه، دخل مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك على خط النقاش، مؤكدًا خلال مؤتمر صحفي في جنيف أن المجتمعات لا تزال تكافح لإيجاد معادلة مناسبة لحماية الأطفال على الإنترنت، وأشار إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أُطلقت قبل سنوات دون تقييم جدي لتأثيراتها على حقوق الإنسان، وهو ما يفسر حجم التحديات التي تواجهها الحكومات اليوم.
تورك شدد على أن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي يجب أن تنطلق من مبدأ «المصلحة الفضلى للطفل»، مع ضرورة الموازنة بين متطلبات الأمان والحقوق الفردية، كما لفت إلى أن التجربة الأسترالية ليست معزولة، إذ توجد قوانين مشابهة في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، بينما يناقش الاتحاد الأوروبي تشريعات جديدة لتنظيم حماية القاصرين على الإنترنت.
وفي هذا السياق، دعت يونيسف إلى تعاون حقيقي بين الحكومات والجهات التنظيمية وشركات التكنولوجيا، إلى جانب إشراك الأطفال وأسرهم في صياغة مستقبل رقمي أكثر أمانًا وشمولًا، المنظمة شددت على أن إعادة تصميم منصات التواصل يجب أن تضع سلامة الأطفال ورفاههم في صميم الأولويات، بدل التركيز الحصري على تعظيم التفاعل والأرباح.
كما أولت أهمية خاصة لدعم الآباء ومقدمي الرعاية، معتبرة أنهم يواجهون عبئًا شبه مستحيل في ظل الواقع الحالي. فالأهل، بحسب وصف يونيسف، مطالبون بمراقبة منصات لم يشاركوا في تصميمها، وفهم خوارزميات غير مرئية، وإدارة عشرات التطبيقات بشكل يومي، دون امتلاك الأدوات أو المعرفة الكافية.
في المحصلة، يكشف الجدل الدائر حول حظر السوشيال ميديا لمن هم دون 16 عامًا عن تعقيد غير مسبوق في العلاقة بين التكنولوجيا وحقوق الطفل، وبينما تسعى الحكومات إلى التحرك السريع أمام مخاطر متنامية، يبقى التحدي الحقيقي في إيجاد حلول متوازنة لا تكتفي بالمنع، بل تعالج جذور المشكلة، وتبني إنترنت أكثر أمانًا يحمي الأطفال دون عزلهم عن العالم.