فلسفة البدايات مع الله.. الورداني يكشف 5 خطوات لقلبٍ أوسع وحياةٍ أعمق
أكد الدكتور عمرو الورداني، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الإنسان حين يشكو حزنه وهمومه إلى الله، فإنه لا يشكو إلى ضيق، بل إلى الواسع سبحانه؛ فيفتح لنفسه بابًا لبداية جديدة مع الله.
وأوضح أن الحديث مع الله يُنقّي القلب، ويُعيد الحياة إلى الروح، ويُحيي النفس من جديد؛ فكل بداية مع الله هي فرصة للاستمداد من رحمته، والعيش بسعة قلب متجددة، لا تُقاس بما نملك، بل بما نرى ونفهم.
خمس قيم تُشكّل معنى «البدايات»
وأشار أمين الفتوى، خلال لقاء تلفزيوني، إلى أن معنى البدايات يتجلى في خمس قيم أساسية إذا عاشها الإنسان اتسع رزقه جمالًا وعمقًا:
1. وسع الرؤية: أن ترى الحياة بميزان الحكمة لا بحدود الإمكانات الضيقة.
2. الحلاوة في الإحساس: استعادة لذّة الإيمان والطمأنينة في القلب.
3. التجدد الدائم: كل نفس جديد فرصة، وكل يوم بداية.
4. اليقين بالبقاء في حضرة الله: الاطمئنان الدائم إلى القرب الإلهي.
5. رؤية الحقيقة: إدراك أن الوسع الحقيقي ليس فيما نملك، بل فيما نُبصر من معاني.
وبيّن أن الله يمنح العبد سرًا وجمالًا خاصين لا يراهما غيره، حين يحسن قراءة البدايات.
كيف نستثمر البدايات عمليًا؟
شرح الدكتور الورداني آلية عملية للتعامل مع البدايات، تقوم على تخصيص كل شهر لمعنى نعيشه ونُحققه.
فمثلًا، يرى أن شهر يناير ينبغي أن يكون شهر «الأحلام الكبيرة»؛ لأن المؤمن بالله واليوم الآخر يحلم أحلامًا واسعة، لا اتكاءً على ما يملك، بل لأنه عبدٌ للكبير سبحانه.
يحلم بإصلاح قلبه، وإزالة سوء المعاملة بينه وبين الناس، والعيش بوسع الله، واستثمار نعمه مع عائلته، لا بالاكتفاء بتمنيات محدودة.
لماذا نفرح ببدايات السنة الجديدة؟
أكد أمين الفتوى أن الفرح ببداية عام جديد ليس ترفًا ولا تهاونًا، بل واجب إيماني يُجدد القلب ويقوّي الصلة بالله، وأن كل نهاية هي في حقيقتها بداية، وكل نفس جديد فرصة، وأن الغد غير مضمون، والنهايات ليست بأيدينا، واستشهد بما علّمنا إياه النبي ﷺ في الدعاء: «اغنِنا بفضلك عمّن سواك»؛ فالفرح بالنعمة اعتراف بفضل الله، وتجديد للتوكل عليه.
الفرح بالنعمة.. عبادة لا لهو
شدّد الدكتور الورداني على أن الفرح بالنعمة لا يعني الانغماس في الدنيا ولا قلة الخشوع، بل هو جزء من جوهر الدين الحنيف؛ فالدين دين بهجة وحياة ونور.
الابتسام، والفرح المشروع، وحسن استقبال النعم؛ كلها تحمي القلب من الركود والقسوة، وتمنع اليأس، وتُعين على مواجهة تحديات الحياة.
أسبوعك عيد.. ويومك حياة كاملة
دعا أمين الفتوى إلى إحياء الفرح الأسبوعي باعتبار كل أسبوع عيدًا صغيرًا داخل الأسرة؛ بالاحتفاء بإنجاز أو نعمة يومية، ومشاركة العائلة في الحلم والفرحة، ما يجعل تحقيق الأهداف أقرب وأسهل.
وأضاف أن لكل يوم قيمة خاصة ينبغي أن تُعاش كأنها حياة كاملة؛ مع استشعار نعمة الطعام والشراب. واستشهد بسيرة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي كان يقدّر كل لقمة ويشكر الله عليها؛ فالامتنان اليومي يزرع الوعي بفضل الله.
العلاقات الإنسانية.. بدايات بلا وصم
أكّد الدكتور الورداني أن العلاقات بين الناس يجب أن تُدار بمنطق البدايات الجديدة، بعيدًا عن الوصمات والأحكام المسبقة، فحين ينفتح القلب، تتسع السعة الداخلية، ويصبح الإنسان أقدر على تقدير نعم الله في الآخرين، ومعاملتهم بما يعكس جوهر الدين الذي يجمع بين العبادة والبهجة.
البدايات والوقاية من القسوة النفسية
لفت أمين الفتوى إلى أن التعامل الإيجابي مع البدايات يحمي الشباب من الكآبة والضغط النفسي الناتجين عن تصورات متشددة للتدين، وأوضح أن التدين المتجهم الصارم بلا فرح قد يخلق شعورًا بالحرمان والتمرد، بينما التدين الصحيح يسمح بالفرح بنعم الله، ويوازن بين الخشوع والحياة.
البدايات مع الله ليست حدثًا زمنيًا، بل منهج حياة: شكوى تُفتح بها أبواب الرحمة، وفرحٌ يتحول إلى عبادة، وأملٌ يتجدد مع كل نفس، فالفرحة المباحة، وتجديد التوكل، وإعادة ترتيب النفس؛ تجعل الإنسان أقدر على العمل الصالح، وأكثر ثباتًا أمام التحديات، وتُجسد جوهر الدين الذي يجمع بين العبادة والبهجة في آنٍ واحد.