بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

«سحب ولا إيداع» .. حين يتحول الحب إلى رصيدٍ مفقود

بوابة الوفد الإلكترونية

يقدّم فيلم «سحب ولا إيداع»، من تأليف وإخراج حسام عزام، وإنتاج المعهد العالي للسينما، تجربة سينمائية تتعامل مع الخسارة بوصفها حالة نفسية ممتدة، لا مجرد واقعة درامية مرتبطة بالمال أو الخداع. فالفيلم، منذ عنوانه، يضع المشاهد أمام معادلة وجودية قاسية: ماذا يحدث للإنسان حين يُسحب منه كل شيء، دون أن يكون هناك ما يمكن إيداعه بديلًا عن الفقد؟

 

تنطلق الحكاية من قصة رجل أعمال يعمل دكتورًا في أحد المجالات، يدخل في زواج غير متكافئ مع فتاة أصغر منه سنًا، زواج تحكمه الثقة المطلقة من طرف واحد، وتنتهي هذه الثقة إلى خيانة مزدوجة، حين تتفق الزوجة مع شخص آخر، مستغلة التوكيل البنكي الذي منحها إياه، لتسحب جميع أمواله وتتركه في مواجهة فراغ كامل، ماديًا ونفسيًا.

غير أن الفيلم لا يتعامل مع واقعة السرقة بوصفها ذروة الحدث، بل باعتبارها نقطة الانكسار الأولى، التي يبدأ بعدها التحول الحقيقي للشخصية. فالبطل لا يفقد أمواله فقط، بل يفقد اتزانه، وإحساسه بالسيطرة على العالم من حوله، ليتحوّل تدريجيًا إلى ما يشبه المجذوب، أو الإنسان العالق داخل مشهد واحد من ذاكرته، غير قادر على تجاوزه أو إعادة تفسيره.

يتجلّى هذا التحول بوضوح في تكرار مشهد ذهاب البطل إلى البنك يوميًا، ودخوله في مشاجرة مع موظف جديد في كل مرة، حين يواجه بالحقيقة الصادمة: الرصيد صفر. هنا يصبح الصفر رمزًا مركزيًا في الفيلم، لا يعكس فراغ الحساب البنكي فقط، بل فراغ الروح، وانهيار الثقة، وفقدان المعنى.

يعتمد المخرج حسام عزام على التكرار الدرامي كأداة سردية ذكية، حيث تتحول مشاهد البنك إلى مساحة مسرحية للصراع النفسي، تتغير فيها الوجوه، بينما تظل المأساة ثابتة. يبدأ موظف البنك بالتعاطف الإنساني، ثم يتحول تدريجيًا إلى الانفعال والعصبية، في انعكاس واضح لثقل الموقف وتكراره، وهو ما يمنح الفيلم تصاعدًا داخليًا دون الحاجة إلى أحداث كبيرة أو مفاجآت مفتعلة.

على مستوى الرمزية، يقدّم الفيلم واحدة من أقوى إشاراته البصرية في تعبيره عن علاقة البطل بزوجته الخائنة، حيث يشبّه المخرج هذا الحب بتمثال صامت. يقف البطل أمام التمثال، ويجري مكالمة هاتفية معها، بينما نسمع أن الهاتف مغلق، ومع ذلك يستمر في الحديث، وكأن الاتصال لم ينقطع. في هذا المشهد، لا يحاور البطل زوجته بقدر ما يحاور وهمه، ويتشبث بصورة جامدة لا تملك ردًا ولا حياة.

هذا المشهد يؤسس لفكرة محورية في الفيلم، مفادها أن الحب حين يفقد توازنه، ويتحول إلى تعلق أعمى، يصبح قوة تدميرية، قادرة على تشويه الإنسان من الداخل، وتحويله إلى متشرد نفسي، تائه بين ما كان وما لن يعود. فالخيانة هنا لم تسرق المال فقط، بل سحبت الإحساس بالأمان، والقدرة على التصديق، والرغبة في الاستمرار.

بصريًا، يقدّم المخرج كادرات شديدة القوة والدقة، خاصة في مشاهد التركيز على تعبيرات وجه البطل، حيث تلعب الانفعالات الدقيقة دورًا أساسيًا في نقل التحولات النفسية، دون اعتماد مفرط على الحوار. الكاميرا تقترب حين يلزم القرب، وتبتعد حين يصبح الصمت أكثر بلاغة من الكلمات، في اختيار واعٍ يخدم الحالة الشعورية العامة.

ويبرز أداء البطل بوصفه حجر الزاوية في الفيلم، حيث يعتمد على رتم هادئ، متزن، يبتعد عن الانفعال الزائد، ويمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا يجعل المشاهد يتفاعل معها، لا بوصفها ضحية فقط، بل إنسانًا أخطأ في التقدير ودفع الثمن. كما جاء أداء موظف البنك مكملًا لهذه الحالة، متنقلًا بين التعاطف والضيق والعصبية، في تجسيد واقعي لحدود الصبر الإنساني.

تلعب الموسيقى دورًا داعمًا دون افتعال، حيث تُستخدم بحساسية عالية، لتكثيف الشعور بالفقد دون فرض إحساس بعينه على المشاهد. أما اختيارات الأماكن، فجاءت شديدة الدلالة، خاصة مشهد سير البطل على جسر حديدي، في صورة بصرية توحي بالعبور المستحيل، وكأن الشخصية تسير دائمًا فوق حافة، دون أن تصل إلى ضفة آمنة.

ويُعد مشهد نظرة البطل الطويلة إلى فترينة التمثال من أبرز مشاهد الفيلم، حيث يختزل هذا التوقف البصري حالة التعلق والإنكار في صورة واحدة، صامتة، لكنها مشحونة بالدلالات، تؤكد قدرة المخرج على التعبير بالصورة أكثر من الحوار.

في مجمله، ينجح فيلم «سحب ولا إيداع» في تقديم قراءة سينمائية ناضجة لمفهوم الخسارة، لا بوصفها نهاية، بل كتحول قاسٍ في مسار الإنسان. فيلم يطرح تساؤلات مؤلمة عن الثقة، والحب، والسلطة، والهشاشة النفسية، ويؤكد أن أخطر ما يمكن أن يفقده الإنسان ليس المال، بل ذاته حين يسلّمها لوهم لا رصيد له ، العمل من تمثيل مجدى الجولى ، أسامة القزاز ، مونتاج عمرو سليم ، مدير التصوير محمد هانى .

جدير بالذكر أن العمل شارك فى المسابقة المصرية بالدورة السابعه لمهرجان القاهرة للفيلم القصير .