أوراق مسافرة
رحلة موت مدفوعة الثمن «2»
أواصل معكم الحديث حول رحلة الموت التى يدفع الآباء ثمنها مائتى أو ثلاثمائة ألف وأكثر لفلذات أكبادهم لتكون نهايتهم الموت غرقًا وأيديهم ممدودة فى قاع بحر مظلم صوب حلم لم يتحقق، حلم الوصول لأوروبا بصورة غير مشروعة وتحقيق الثراء، وهى فكرة خارج أى منطق إنسانى ولا تمت للواقع بصلة، خاصة مع علم الآباء والشباب أنفسهم أن هذه الرحلة على قارب مطاطى محفوفة بالمخاطر وغالبا لا ينجو منها أحد، الرحلة مدتها قد تصل إلى أسبوع فى ظلام الليل وصقيعه وفى النهار تحت حرارة شمسه الحارقة دون أى سواتر أو حماية تقيهم من هذا أو ذاك مبحرة من وسط البحر الأبيض المتوسط إلى تركيا ومن جزر الخالدات إلى ساحل دوفر، أو إلى جزيرة كريت اليونانية ثم عبر قناة المانش التى يبلغ طولها أكثر من 56 كيلو متر وهى خطيرة خاصة فى أضيق نقطة لها والتى تمتد حوالى 33 كيلو متر وتعد من أكثر الممرات البحرية ازدحاما فى العالم حيث تضج بحركة مرور مستمرة لسفن الشحن وصيد الأسماك وعبارات الركاب واليخوت وقوارب خفر السواحل لذا عبور قارب مطاطى خلالها بسلام لهو درب من المستحيل.
دول الاتحاد الأوروبى يوجد بينها اتفاق سرى محكم بعدم السماح لهذه القوارب دخول شواطئها وعليها مهاجرون غير شرعيين، بينهم دولتين على وجه التحديد هما فرنسا وبريطانيا حيث عقدا مؤخرًا اتفاق رسمى يقضى بأن تسمح كل منهما للأخرى بالتوغل فى مياهها حال مشاهدة أى قارب لمهاجرين غير شرعيين والحيلولة دون وصوله للشاطئ بمطاردته بالقوارب الضخمة حتى يعود من حيث أتى، بالطبع الاتفاق يحمل فى باطنه أمر غير مباشر بإغراق القوارب وإلا كيف سيتم مطاردة قارب متواضع من المطاط بسفن عملاقة إلا بالإغراق، ولا يمكننا تجاهل أن مئات من المهاجرين غير الشرعيين كانوا يرسلون إشارات استغاثة عبر هواتفهم أو بطريقة وأخرى إلى حرس السواحل الأوروبية لإنقاذ قاربهم من الغرق نتيجة تلفه، ولكن الشرطة الأوروبية كانت تتلقى بالفعل الاستغاثة ولا تتحرك لنجتهم إلا بعد عشر ساعات أو أكثر لتتأكد من غرقهم وزوال الصداع من هؤلاء المهاجرين بعدم وصولهم لأى بلد أوروبى.
وهو أمر فضحته صحيفة الجارديان البريطانية مؤخرًا عقب غرق 27 عراقى كانوا على قارب مطاطى، قالت الصحيفة أن عدد قليل من الناجين من القارب قالوا أنهم حاولوا إبقاء الزورق طافيًا بعد تلفه وفراغه من الهواء وقد حاولوا نفخه ولكن المنفاخ توقف عن العمل، وانقلب الزورق فى النهاية وحاولوا السباحة تجاه المياه البريطانية واتصلوا بجهات الإغاثة بها لطلب المساعدة لكن دون جدوى، حيث لم يحضر الإنقاذ إلا بعد 11 ساعة، وتصادف مرور صيادين فرنسيين بالقرب من هذه المنطقة فانتشلوا عددًا قليلًا بينما غرق الباقى وكان عدد ركاب القارب 35 شخصًا.
بصفة عامة من تكتب لهم النجاة وهم قلة جدًا، يتم وضعهم فى مراكز لجوء محكمة الحراسات ولا يمكنهم مغادرتها، وهى لا تفرق عن السجن، يتم حشدهم فى غرف مزدحمة مع غيرهم من شتى الجنسيات، يخضعون لتحقيقات مطولة وبشعة بحضور مترجمين حيث لا مجال لتلفيق القصص والأكاذيب لحشد أسباب طلب اللجوء السياسى أو الدينى ولا أى نوع من اللجوء، بالتالى يتم رفض طلبات لجوئهم وإعادتهم إلى دولهم عبر سفاراتهم، وأى مهاجر غير شرعى يسعده حظه بالتسلل إلى بلد أوروبى سيواجه ظروفًا قاسية، فلا مسكن يقيم به ولا فرصة عمل، يبيتون فى الشوارع وبمحطات القطار والمترو كالمشردين والشرطة تطاردهم لضبطهم وترحيلهم، بعضهم يلجأ إلى المساجد أو الكنائس طلبًا لمأوى وطعام، ولكن حتى هذه أصبحت مغلقة الأبواب منذ سنوات أمامهم، ذلك لوجود إجراءات أوروبية صارمة ضد الأماكن التى يثبت إيوائها لمهاجرين من هذه النوع بجانب الغرامات المالية الهائلة التى يتم معاقبتهم بها.
كما أن الغرامات أيضا تطبق على أصحاب العمل حال ضبط عمال من هؤلاء المهاجرين وتبدأ الغرامة بـ 20 ألف يورو وهو مبلغ ضخم.. للحديث بقية.