فضائل الشكر في الشرع الحنيف
من المقرر شرعًا أن الشكر هو الاعتراف بفضل المنعم سبحانه، وإقرار بعجز النفس وضعفها وحاجتها إلى خالقها، بطلب حفظ النعمة ودوامها، والزيادة عليها؛ وهو وعدٌ محقق لمن أدام الشكر لله تعالى؛ كما قال سبحانه:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7].
فضائل الشكر
ومن فضائل الشكر في الإسلام، التالي:
-أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه به، قال تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (البقرة: ١٥٨).
وقال عز من قائل: {مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا} (النساء:١٤٧).
ويكفي العابد المطيع عزًا وشرفًا أن يتصف بمعاني صفات ربه، ولعل هذا من الحكم في تعليم الله لنا بعض أسمائه وصفاته.
- الشكر نصف الإيمان؛ فالإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر(تهذيب مدارج السالكين: ٣٨٣).
وهذا واضح فى تعجب النبى صلى الله عليه وسلم من حال المؤمن: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، إن أصابته سراء شكر ، وإن أصابته ضراء صبر ، فكان خيرا له»(أخرجه الإمام مسلم عن صهيب،ك. الزهد والرقائق، ب. المؤمن أمره كله خير، حديث: ٢٩٩٩، صحيح مسلم: ٤/٢٢٩٥، ت/محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي- بيروت.).ولعل في قول الله تعالى: { إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ } (سبأ:١٩) ما يدل على ذلك.
- الشكر مأمور به، ومنهي عن ضده، قال تعالى: {فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ} (البقرة:١٥٢)، وقال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ}(البقرة:١٧٢)، ومن جميل ما يذكر أن العابد إنما يفعل المأمور به لا لذات الأمر، بل لكون الله تعالى أمر، وفى سؤال هاجر عليها السلام- سيدنا إبراهيم عليه السلام: (آلله أمرك بهذا؟) إشارة إلى ذلك.
- الشكر من صفات خواص خلق الله الأنبياء عليهم السلام: قال تعالى: {إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ * شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (النحل:١٢٠-١٢١)، وقال أيضًا: {ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا} (الإسراء:٣).
- في الشكر مرضاة لله تعالى: قال عز وجل: {إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (الزمر:٧).
- وصية النبى -صلى الله عليه وسلم- ودعوته، فقد جاء فى الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم-قال لمعاذ: «فَقَالَ يَا مُعَاذُ إِنِّى لَأُحِبُّكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا وَاللَّهِ يا معاذ إنى لأُحِبُّكَ فلا تنس أن تقول فِى دبر كُلِّ صَلَاةٍ اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». (أخرجه أبو داود عن معاذ بن جبل،ك. سجود القرآن، ب. فى الاستغفار، حديث: ١٥٢٢، ١/٤٧٥).
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُولُ فِى دُعَائِهِ: «رَبِّ أَعِنِّى وَلَا تُعِنْ عَلَى وَانْصُرْنِى وَلَا تَنْصُرْ عَلَى وَامْكُرْ لِى وَلَا تَمْكُرْ عَلَى وَاهْدِنِى وَيَسِّرْ الْهُدَى لِى وَانْصُرْنِى عَلَى مَنْ بَغَى عَلَى رَبِّ اجْعَلْنِى لَكَ شَكَّارًا». (أخرجه الترمذي عن ابن عباس -رضى الله عنهما-،ك. الدعوات،ب. في دعاء النبى-صلى الله عليه وسلم- ، حديث: ٣٥٥١، وقال: حديث حسن صحيح، سنن الترمذي: ٥/٥٥٤.).الحديث(تهذيب مدارج السالكين: ٣٨٤.).
- الشكر صارف للعذاب؛ قال تعالى: {مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا} (النساء:١٤٧).
- سبب لحصول النعم؛ قال تعالى في قصة لوط وقومه، وأن الله نجاه وأهلكهم: {نِّعۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَن شَكَرَ} (القمر:٣٥).
- ولعظم الشكر، وجليل قدره كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسأل الرجل عن حاله لا لشيء ولكن ليسمع منه كلمة الشكر لله تعالى، وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم؛ روي عن عبد الله بن أبي طلحة، أن رجلا كان يأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيسلم عليه، فيقول النبى -صلى الله عليه وسلم- يدعو له، فجاء يوما فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- : «كيف أنت يا فلان؟ قال: بخير إن شكرت. فسكت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال الرجل: يا نبي الله كنت تسألني وتدعو لي، وإنك سألتنى اليوم فلم تدع لي؟ قال: إني كنت أسألك فتشكر الله، وإني سألتك اليوم فشككت في الشكر». (أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك، حديث ١٣٥٦١، مسند الإمام أحمد: ٣/٢٤١،ت/ شعيب الأرنؤوط، مؤسسة قرطبة- القاهرة- بدون تاريخ.). وعن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: سمعت عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-سلم على رجل فرد عليه السلام، فقال عمر: كيف أنت؟ قال الرجل: أحمد الله إليك، قال عمر: هذا ما أردت منك. (الشكر لابن أبى الدنيا: ٣٤.).