كبسولة فلسفية
المعنى العابر... كيف نمسك باللحظة الهاربة؟
هناك لحظات يا صديقي تمرّ خفيفة كأنها لا تنتمي إلى الزمن، لكنها تلمس روحك ثم تختفي قبل أن تفهم لماذا جاءت. لحظات صغيرة في ظاهرها، لكنها تستطيع أن تغيّر يومك كله، وربما تغيّرك أنت. وصدقني... هذه اللحظات لا تبحث عن تفسير، بل تبحث عن قلب حاضر.
نحن عادةً ندخل في صراع مع اللحظة الهاربة؛ نريد أن نفهمها، نُمسك بها، نحولها إلى شيء ثابت لا يفلت من يدينا. لكن يا عزيزي، المعنى العابر لا يُمسك بالقوة. هو أشبه بطائر يقف على يدك فقط إن كنت هادئًا، صافيًا، غير مُلحّ في طلبه. اللحظة، مهما بدت بسيطة، تفتح بابًا في داخلك لو كنت منتبهًا لها.
وأحيانًا، وأنت تمشي بلا هدف، أو تجلس أمام نافذة، أو تستمع لصوت بعيد، يلمع شيء داخلي يشعرك بأن حياتك تحتاج إلى خطوة مختلفة. ليس لأن العالم تغيّر، بل لأنك أنت رأيت نفسك فجأة بوضوح أكبر. وهذه يا صديقي إحدى هدايا المعنى العابر: إنه يكشف ما كان أمامك دائمًا... لكنك لم تكن تراها.
يبقى السؤال: كيف نُمسك باللحظة دون أن نهرب بها إلى التحليل؟ السرّ أن تعيشها، لا أن تفسّرها. أن تتركها تعبُر خلالك، لا من حولك. أن تمنحها لحظتها كاملة قبل أن تضعها في كلمات أو تقارنها بما سبق. اللحظات الهاربة يا عزيزي ليست ضعيفة، بل شديدة الاكتفاء، تأتي عندما تكون مستعدًا لها فقط.
وإذا شعرت بأثرها، أمسكه بالفعل لا بالذاكرة. خطوة صغيرة، تغيير بسيط، قرار هادئ... أي شيء يثبت أنك احترمت تلك الومضة التي مرّت. لأن بعض اللحظات العميقة لا تأتي كي تُدهشنا، بل كي تدفعنا خطوة واحدة خارج السكون الذي اعتدناه.
المعنى العابر لا يبقى لأنه عاجز... بل لأنه صادق. وكل ما تحتاجه هو أن تفتح قلبك حين يمرّ، وألّا تنشغل عنه بما هو أقل قيمة من الحقيقة التي تُريد أن تبوح لك بها الحياة.
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]