بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

بمناسبة حلولها ضيف الشرف على معرض الكتاب 2026

ضفاف النيل تتصافح مع الدانوب

بوابة الوفد الإلكترونية

ليست فكرة «ضيف الشرف» فى معارض الكتب احتفاءً عابرًا بدولةٍ ما، بل هى اقتراحٌ للقراءة من زاوية جديدة، ودعوة لاكتشاف الآخر عبر لغته وحكايته. وفى دورة عام 2026 من معرض القاهرة الدولى للكتاب، اختار المنظمون للمعرض أن تفتح نافذتها على رومانيا، لا بوصفها بلدًا أوروبيًا بعيدًا، بل بوصفها ذاكرة أدبية وثقافية لديها ما تقوله لنا.
لم يأتِ اختيار رومانيا مصادفة، ولا مجاملة ثقافية. إنما هو اختيار بالغ الدلالة؛ إذ يتزامن مع مرور أكثر من قرن على العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبوخارست. قرنٌ لم يكن صامتًا، بل شهد تبادلات ثقافية فى مجالات الفنون والآداب، وإن ظلّ هذا الحضور فى أحيان كثيرة بعيدًا عن الأضواء.
هنا، تتقدّم رومانيا بوصفها ثقافة عرفت كيف تُصغى للهوية وهى تتشكل بين الشرق والغرب، وكيف تحوّل التجربة التاريخية القاسية إلى أدبٍ يتأمل الإنسان قبل أن يحاكمه. لذلك بدا حضورها فى القاهرة امتدادًا طبيعيًا لحوار قديم، تأخر قليلًا، لكنه لم ينقطع. وتحويل الاستضافة من مجرد تمثيل بروتوكولى إلى برنامج حىّ، يضع القارئ المصرى والعربى فى تماس مباشر مع هذا الآخر البعيد مكانًا ولغة.
ومن المتوقع أن يضم الجناح الرومانى ملامح متعددة للمشهد الثقافى هناك؛ الأدب الكلاسيكى والمعاصر، الرواية والشعر، أدب الطفل، والفنون البصرية، إضافة إلى حضور خاص لملف الترجمة، بوصفه المعبر الأهم بين الثقافتين. وبالطبع لن يقف الجناح عند عرض المنجز، بل سوف يتجاوزه إلى الفعل؛ عبر ندوات ولقاءات بين كتاب ومترجمين وناشرين، وورش عمل، وعروض موسيقية وفنية تعكس روح الثقافة الرومانية، وتعيد تقديمها خارج القوالب النمطية.

نقرأهم قبل أن نفتح لهم الأبواب
من «إمينسكو» إلى «كارتاريسكو» رحلة قراءة قبل الاستضافة

عندما نُفكّر فى استضافة كاتب، لا يكفى أن نُعدّ له مقعدًا أو نعلّق اسمه على لافتة أنيقة؛ علينا أولًا أن نقرأه. القراءة هنا ليست واجبًا مهنيًا بل فعل. أؤمن أن الخطوة الأولى ليست الدعوة ولا المنصّة ولا الأسئلة المعدّة سلفًا، بل القراءة. أن نقرأ الكاتب كما لو كنا ندخل بيته؛ نلمس الجدران، ونتعرّف إلى ملامحه قبل أن نراه. أن نُصغى إلى صوته على الورق قبل أن نسمعه فى القاعة. من هنا كان علىّ أن أبدأ رحلتى مع أدباء الدانوب، لا بوصفه ملفًا ثقافيًا، بل كحكاية تُروى.
لم أصل إلى الأدب الرومانى عبر البوابات الرسمية، بل عبر التوافذ المواربة فى قطارٍ ليلىٍ يقطع أوروبا الشرقية. كنتُ أتابع الصفحات عبر السرد الرقمى كمن يتحسس طريقه فى مدينة غريبة، فاكتشفت أن هذه البلاد، التى عاشت طويلًا بين إمبراطوريات وحدود متحركة، لم تتعامل مع الأدب بوصفه ترفًا، بل باعتباره وسيلة نجاة.
أول من صافحنى كان «ميهاى إمينسكو». لم أقرأه كشاعر حب، بل كوطنٍ يتكوّن من اللغة. فى قصائده شعرتُ أن الرومانيين تعلّموا كيف يجعلون من الأسطورة والفلسفة بيتًا مشتركًا. كنتُ أقرأه لأتعلم أن الشعرأحيانًا يسبق التاريخ. لم يحصل «ميهاى إمينسكو» على جوائز عالمية بالمعنى الحديث، لكننى كلما قرأته شعرت أن بلاده منحته ما هو أثمن. صار الشاعر هو الجائزة، وصارت اللغة الرومانية تُقاس به. «إمينسكو» يذكّرنا بأن بعض الكتّاب يسبقون فكرة التكريم نفسها.
ثم سرتُ مع «ليفيو ريبرينو» فى طرق الريف الموحلة. لم يقدّم لى الطبيعة كملاذ، بل كاختبار قاسٍ للضمير. الأرض عنده ليست ملكًا، بل لعنة ورغبة وصراع. شخصياته كانت تمشى أمامى مثقلة بالاختيارات، وكأن الحرية نفسها عبء لا يُحتمل. مع «ليفيو ريبرينو»، لم تكن الجوائز هى ما شدّنى، بل الأثر. رواياته عن الريف والصراع الطبقى صارت جزءًا من الوعى الثقافى الرومانى، قبل أن تدخل المناهج وقوائم الشرف. هنا فهمت أن الاعتراف قد يكون بطيئًا، لكنه عميق.
مع «كاميل بيتريسكو» دخلتُ غرفة العقل. السرد لم يعد حكاية تُروى، بل وعيًا يُفتّش عن يقينه. الزمن نفسى، والحقيقة شخصية، والحب تجربة معرفية. هنا شعرتُ أن الأدب الرومانى بدأ يطرح أسئلته الحداثية بلا خوف. «كاميل بيتريسكو» كتب رواياتٍ سبقت زمنها. لم تحمله الجوائز فورًا، لكن الحداثة التى زرعها فى السرد الرومانى جعلته لاحقًا مرجعًا لا يمكن تجاوزه. بعض الكتّاب لا يفوزون فى لحظتهم، بل يفوزون بالاستمرار.
بعد هذه الرحلة، أكثر ما لفتنى هو مقدار التشابه الخفى بين تجربتهم وتجربتنا العربية. هنا كما هناك، الأدب لم يكن يومًا ترفًا، بل وسيلة لمقاومة المحو، وشهادة على تاريخٍ متقلب، ومحاولة دائمة لإنقاذ الإنسان من القسوة والنسيان.فحين قرأتُ هؤلاء الكتّاب، تذكّرتُ كتّابنا الذين واجهوا الاستبداد بالرمز، والمنفى بالذاكرة، والهزائم باللغة. الفارق فى الجغرافيا، لكن الأسئلة واحدة، كيف نكتب تحت الضغط؟ كيف نحمى اللغة من الابتذال؟ وكيف نحفظ الذاكرة من التزوير؟.

 

حين تتكلم الجوائز بلهجة رومانية
سؤال نوبل الغائب الحاضر

لم أدخل عالم الجوائز الأدبية فى رومانيا من باب القوائم الطويلة بل من سؤال بسيط؛ ماذا يعنى أن يفوز كاتب من بلدٍ اعتاد أن يكتب على الهامش؟ فى رومانيا، لم تكن الجوائز يومًا زينة تُعلّق على الجدران، بل شهادة عبور من العزلة إلى العالم، ومن اللغة المحلية إلى الكونية. وهناك اكتشفت أن الجوائز لم تصنع كتّابه، بل لحقت بهم بعدما صنعوا أنفسهم.
حين حصلت «آنا بلانديانا» العام الماضى على جائزة أميرة أستورياس للآداب، لم أشعر أن شاعرة فازت، بل أن تجربة كاملة من المقاومة الهادئة وُضعت أخيرًا فى الضوء. قصائدها التى قاومت الاستبداد بلا صراخ، وجدت من يعترف بها، لا لأنها جميلة فقط، بل لأنها تحمل الرسائل للعالم. هنا، بدت الجائزة وكأنها تقول: «الذاكرة تستحق التكريم». مع «آنا بلانديانا»، شعرت أن جائزة أميرة أستورياس للآداب لم تذهب إلى شاعرة فحسب، بل إلى ضمير.
وأخيرًا، دخلتُ متاهة «ميرتشا كارتاريسكو». رواياته ليست شوارع واضحة، بل أحلام طويلة، تتقاطع فيها الطفولة والمدينة والجسد والهلوسة. كنتُ أقرأه وأشعر أننى أسير داخل عقل كاتب، لا داخل حبكة، وأن الأدب هنا يعبر إلى العالمية دون أن يتخلى عن غرابته. مع «ميرتشا كارتاريسكو»، بدت الجوائز أقل احتفالية وأكثر دهشة. جائزة لايبزيغ للكتاب الأوروبى وجائزة الدولة النمساوية للأدب الأوروبى لم تكرّما روايات فحسب، بل عالمًا سرديًا معقّدًا يكتب الحلم كما لو كان علمًا. «كارتاريسكو» لم يبسّط لغته للعالم؛ العالم هو من تعلّم أن يقرأه.
قراءة «نورمان مانيا» كانت أشبه بالجلوس مع ذاكرةٍ لا تهدأ. المنفى لم يكن مكانًا بعيدًا، بل غرفة داخلية يسكنها الكاتب أينما ذهب. لم يرفع صوته، بل ترك الألم يتكلم بهدوءٍ قاسٍ، كأن الدقة هى الشكل الأصدق للوجع. حينها، أدركت أن «نورمان مانيا» لم يحصل على جوائز لأنه كتب عن المنفى، بل لأنه جعله مفهومًا إنسانيًا. جائزة نونينو الإيطالية ومنحة ماك آرثر لم تكونا مكافأة على الألم، بل اعترافًا بأن الذاكرة حين تُكتب بصدق، تصبح لغة عالمية.
فى حضرة «أوجين يونسكو»، أدركتُ أن الأدب الرومانى خرج إلى العالم دون أن يستأذن. مسرحياته جعلتنى أضحك.. ثم أتوقف فجأة؛أىّ فراغ هذا الذى نعيش فيه؟ فالعبث عنده ليس لعبة، بل صرخة ضد السلطة وضد اللغة حين تفقد معناها. فقد بدا لى ككاتب لم ينتظر الجوائز بقدر ما اقتحمها. حصوله على جائزة الدولة النمساوية للأدب الأوروبى وانتماؤه إلى أكاديمية اللغة الفرنسية لم يكن تتويجًا لمسرح العبث، بل اعترافًا متأخرًا بأن ما كنا نضحك له كان نبوءة. «يونسكو» فازلأن العالم تأخر فى فهمه.
رغم كل ذلك، يظل سؤال نوبل حاضرًا كظلّ طويل أمام الأدب الرومانى. فلم يفز كاتب منهم بالجائزة بعد، لكن قراءة أبداعهم تجعل السؤال أقل إلحاحًا؛ فهل نحن نحتاج نوبل لنؤمن بقيمة الأدب؟ أم أن الأدب لديهم، بتاريخه مع المنفى والرقابة والبحث عن المعنى، فاز بجائزته الأهم؛ البقاء؟.