المعيقلي يكشف نوعان لولاية الله لعبادة
أكد الشيخ الدكتور ماهر بن حمد المعيقلي، إمام وخطيب المسجد الحرام، أن الله تبارك وتعالى هو الولي المتولي أمر الخلائق جميعًا، إنسهم وجنهم، أحياءهم وجماداتهم، فهو سبحانه الخالق المالك المدبر لشؤون الكون كله، لا يخرج شيء عن علمه ولا عن تدبيره.
جاء ذلك خلال خطبة الجمعة الأخيرة من شهر جمادى الآخرة، التي ألقاها من رحاب المسجد الحرام بمكة المكرمة، حيث تناول فيها مفهوم الولاية الإلهية، وبيّن حقيقتها وضوابطها الشرعية.
ولاية الله على الخلق نوعان
وأوضح الشيخ الدكتور ماهر المعيقلي أن ولاية الله تعالى على عباده نوعان؛ أولهما ولاية عامة تشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، إذ إن الله سبحانه هو خالقهم ومالكهم، يتولى أمرهم، ويقدر أرزاقهم، ويدبر شؤونهم، فجميع الخلق داخلون تحت سلطان الله وتدبيره.
أما النوع الثاني فهو الولاية الخاصة، وهي ولاية المحبة والتأييد والنصرة والحفظ والتوفيق والهداية، وهذه الولاية لا تكون إلا للمؤمنين الصادقين وعباد الله الصالحين.
الولاية الخاصة ثمرة الإيمان والتوبة
وأشار إمام وخطيب المسجد الحرام إلى أن المؤمن يجاهد نفسه، ويلتمس هداية ربه، فإذا أذنب عاد إلى الله تائبًا منيبًا، متعلّقًا بولايته، وهذه الولاية الخاصة منفية عن الكافرين، ومقصورة على من حقق الإيمان وسعى في طاعة الله.
وأضاف أن الله تعالى إذا تولّى عبدًا اجتباه وأكرمه وهداه، مستشهدًا بالحديث القدسي: «إذا تقرب العبد إلى الله شبرًا تقرب الله إليه ذراعًا، وإذا تقرب إليه ذراعًا تقرب منه باعًا، وإذا أتاه يمشي أتاه هرولة»، في إشارة إلى عظيم فضل الله على من أقبل عليه بصدق.
قصة نموذجًا لولاية الله
وساق الشيخ المعيقلي مثالًا عمليًا على ولاية الله الخاصة، مستشهدًا بقصة نبي الله يوسف عليه السلام، موضحًا أنه أُلقي في ظلمات الجب، فأحوج الله القافلة إلى الماء ليخرجوه، ثم أحوج امرأة العزيز إلى الولد فتأخذه وتتبناه.
وتابع أن الله سبحانه أحوج أهل السجن إلى تعبير الرؤى ليخرج يوسف من السجن، ثم أحوج عزيز مصر إلى من يدبر خزائن الأرض فاتخذه وزيرًا، ثم أحوج إخوته للعودة إليه، فجمع الله شمله بوالديه وهو في أعلى مراتب العز والتمكين، مؤكدًا أن من كان الله وليه فلن يضيعه.
صفات من تولاه الله
وبيّن إمام الحرم أن من كان الله وليه جاهد نفسه على إخلاص العمل، وجردها من حظوظها، وألجمها بلجام الطاعة حتى تستقيم، وألانها حتى تلين، فتكون حركاته وسكناته كلها في مرضاة الله، خالصة لوجهه الكريم.
وأوضح أن من تولاه الله اطمأن قلبه، وصلح باله، ووثق بنصرة ربه، فكان في حصن حصين وركن شديد، لا تهزه الفتن ولا تزعزعه المحن.
أوصاف أولياء الله
وأشار الشيخ المعيقلي إلى أن الله تبارك وتعالى ذكر في كتابه الكريم أوصاف أوليائه المتقين، وبيّن علو منزلتهم، وهم الذين جمعوا بين صلاح الباطن بالإيمان، وصلاح الظاهر والباطن بالتقوى، وبحسب قوة الإيمان والتقوى تكون منزلة الولاية عند الله.
أساس القرب من الله
وأكد أن أحب ما يتقرب به العبد إلى الله هو أداء الفرائض والواجبات، ثم الإكثار من النوافل بحسب الاستطاعة، حتى ينال العبد محبة الله، مستشهدًا بما ورد في الحديث القدسي: «وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه».
التحذير من الغلو
وحذّر إمام وخطيب المسجد الحرام من الانحراف في باب الولاية، مشيرًا إلى أن بعض الناس لم يزنوا أعمالهم بميزان الكتاب والسنة، ولم يضبطوها بفهم سلف الأمة، فوقعوا في الغلو في الأولياء.
وأوضح أن هذا الغلو وصل ببعضهم إلى دعاء الأولياء من دون الله، والاستغاثة بهم، والذبح والنذر لهم، والطواف بأضرحتهم، بزعم التقرب إلى الله، مؤكدًا أن الله سبحانه أبطل هذه الشبهات.
الأولياء الصالحين
وشدد الشيخ المعيقلي على أن الأولياء الصالحين عباد مكلفون، لا يُصرف لهم شيء من أنواع العبادة، لا في حياتهم ولا بعد مماتهم، ولا تُبنى القبور، ولا تُتخذ أماكنها مواضع للعبادة.
وأكد أن المنهج الصحيح هو الاعتدال: لا جفاء يُسقط حق الأولياء، ولا غلو يرفعهم فوق منزلتهم، بل محبتهم في الله، والترضي عنهم، والدعاء لهم، وسؤال الله أن يجمعنا بهم في جنات النعيم.