بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

من التخطيط إلى التفجير والمُعالجة

«الوفد» ترصد أسرار التعدين فى منجم السكري

بوابة الوفد الإلكترونية

فى عمق الصحراء الشرقية، وعلى مسافات تصل إلى مئات الأمتار تحت سطح الأرض، تتجسد واحدة من أهم التجارب التعدينية الحديثة فى مصر داخل منجم السكرى، الذى يعد نموذجًا متقدمًا للتعدين تحت سطح الأرض وفق أعلى المعايير العالمية. وتأتى أهمية المنجم ليس فقط من كونه أحد أكبر مناجم الذهب فى المنطقة، بل لكونه مشروعًا استراتيجيًا يعكس تطور قطاع التعدين المصرى، وقدرته على توظيف أحدث النظم الهندسية والتكنولوجية لضمان الاستدامة، وتعظيم الاستفادة الاقتصادية من الثروات المعدنية، مع الحفاظ الكامل على سلامة العنصر البشرى.
أجرت «الوفد» جولة ميدانية داخل المنجم بصحبة المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية، والجيولوجى ياسر رمضان رئيس هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية، للاطلاع عن قرب على منظومة العمل داخل باطن الأرض، والوقوف على أحدث التطورات الفنية والتشغيلية، وما تم تحقيقه على صعيدى الإنتاج والسلامة.
وتكشف الجولة عن أن العمل داخل المنجم لا يعتمد فقط على استخراج الخام، بل يقوم على منظومة متكاملة تبدأ من التخطيط الجيولوجى الدقيق، وتمر بعمليات الحفر والتفجير والنقل، وصولًا إلى المعالجة، فالمنجم يعمل على أعماق كبيرة تمثل تحديًا هندسيًا وفنيًا، ما استدعى إنشاء شبكة أنفاق تمتد لنحو 7 إلى 8 كيلومترات، مزودة بأنظمة تهوية، وتدعيم جيوميكانيكى، وغرف طوارئ مؤمنة بالكامل.
التقت «الوفد» بعدد من مهندسى التعدين القائمين على العمل بالموقع، فيقول المهندس محمود رسلان، رئيس قسم التعدين تحت سطح الأرض بمنجم السكرى، إن أعماق العمل داخل المنجم تصل إلى نحو 700 متر كفرق رأسى بين أنفاق الخدمات وأعمق نقطة يتم العمل بها حاليًا، وهو ما يعكس حجم التحديات الفنية المرتبطة بالتعدين تحت سطح الأرض.
وأوضح «رسلان» أنه فى حالة الطوارئ أو الخطر يعمل نظام الأمان على إطلاق غاز ذى رائحة نفاذة ومميزة تشبه رائحة البصل الفاسد، يتم ضخه بشكل تلقائى أو يدوى من غرف تحكم على السطح، بهدف تنبيه جميع العاملين تحت الأرض بوجود حالة طوارئ، ودفعهم فورًا للتوجه إلى غرف الطوارئ المجهزة، لافتاً إلى أنه لم يتم تسجيل أى حالات طوارئ حتى الآن.
وأوضح رسلان أن أحد الفروق الجوهرية فى التعدين تحت الأرض يتمثل فى أنظمة تدعيم الأرض، التى تضمن استقرار الأنفاق على أعماق كبيرة دون حدوث انهيارات، مؤكدًا أن المنجم يعتمد على نظام جيوميكانيكى متكامل يقوم بتحليل الإجهادات الواقعة على الصخور المحيطة بالأنفاق، ومن ثم تحديد نوع التدعيم المناسب لكل منطقة.
وأشار رئيس قسم التعدين تحت الأرض إلى أن النفق الرئيسى يعد الشريان الأساسى للحركة داخل المنجم، حيث يتم من خلاله دخول وخروج معدات التعدين الثقيلة، إلى جانب انتقال الأفراد والمركبات الخفيفة.
وأوضح أن هذا النفق يتفرع منه نفق جانبى مخصص بالكامل لأعمال التهوية، لافتًا إلى أن طول النفق الرئيسى يتراوح بين 7 و8 كيلومترات، وتتفرع منه جميع الأنفاق الفرعية التى تقود إلى مناطق الإنتاج المختلفة داخل المنجم.
وأضاف أن المنجم يضم عددًا من غرف الطوارئ والكنترول، تختلف سعتها ما بين 12 و16 و20 فردًا وفقًا لطبيعة المنطقة التى تخدمها، مشيرًا إلى أن هذه الغرف مصفحة ومجهزة بالكامل، ومزودة بأنظمة تهوية وتكييف، ومصادر للأكسجين سواء الطبيعى أو المضغوط، بما يسمح للعاملين بالبقاء بأمان فى حال حدوث حريق أو أى طارئ آخر.
وأشار إلى أن غرف الطوارئ مزودة أيضًا بأنظمة طاقة احتياطية تعمل بالبطاريات فى حال انقطاع التيار الكهربائى، وتكفى هذه البطاريات لتشغيل الغرف لمدة تصل إلى 48 ساعة، ما يتيح الوقت الكافى للتعامل مع الموقف الطارئ، مؤكدًا أن التعدين تحت الأرض علم وخطة وليس مغامرة.
وفى سياق متصل، شرح مهندس آخر آليات العمل داخل المنجم، قائلًا إن العمل داخل المنجم يمر بعدة مراحل تبدأ بمرحلة تقدير الخامة، والتى تعتمد فى البداية على بيانات ذات درجة دقة محدودة، ثم تتطور من خلال أعمال أخذ العينات والتحليل المستمر. وأوضح أن وحدة التحكم الجيولوجى تقوم بأخذ عينات دورية على مسافات تصل إلى نحو 2.5 متر، بما يسمح ببناء نموذج جيولوجى دقيق لكل منطقة داخل المنجم.
وأشار إلى أن هذه العمليات تتم بشكل يومى وعلى مدار الساعة، من خلال معدات متخصصة تعمل باستمرار داخل الموقع، مضيفًا أنه بعد تحديد مناطق تواجد الخام، تبدأ مرحلة التجهيز والتعدين، حيث تعمل فرق التشغيل على تنفيذ أعمال الحفر وفق طبيعة الصخور المختلفة، والتى تتنوع داخل المنجم إلى عدة أنواع، ما يتطلب استخدام معدات وتقنيات متنوعة تتناسب مع كل نوع من الصخور.
وواصل أن عملية التعدين تمر بعد ذلك بمرحلة الحفر والتفجير، حيث يتم تجهيز الثقوب، ثم تنفيذ عمليات الشحن والتفجير وفق معايير علمية دقيقة، باستخدام معدات متطورة، بما يضمن استمرارية الإنتاج وتحقيق أعلى معدلات الكفاءة.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن هذا التسلسل المتكامل من التخطيط، والرقابة الجيولوجية، والتنفيذ الفنى الدقيق، هو الأساس الذى يقوم عليه النجاح التشغيلى لمنجم السكرى، ويعكس الالتزام بأفضل الممارسات العالمية فى صناعة التعدين.

تعكس هذه المنظومة المتكاملة حجم التطور الذى وصل إليه منجم السكرى، ليس فقط كمنشأة إنتاجية، ولكن كبيئة عمل آمنة، ومدرسة تطبيقية حقيقية لأحدث ما وصلت إليه صناعة التعدين عالميًا.