بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خطبة الجمعة

«فظللت أستغفر الله منها ثلاثين سنة»

بوابة الوفد الإلكترونية

الحمد لله رب العالمين، أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل أمتنا خير أمة، وأصلى وأسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

إن من بديع ما زخر به تراثنا العريق، ما رواه لنا الإمام أبوبكر الحربى قال: «سمعت السرى السقطى رضى الله عنه يقول: منذ ثلاثين سنة وأنا فى الاستغفار من قولى: الحمد لله مرة، قيل: وكيف ذاك؟ قال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلنى واحد فقال لى: نجا حانوتك، فقلت: الحمد لله، فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت، حيث أردت لنفسى خيراً مما للمسلمين».

ويلامس الإمام السرى رحمه الله فى هذه القصة الرفيعة جوهر الأخلاق الإسلامية، وهو اتساع القلب للناس جميعاً، ورفض تمييز النفس عنهم فى شئون الحياة، فمجرد أن نجا متجره دون متاجر الناس جعله يستشعر بأنه فرح لنفسه بشىء لم يتحقق لغيره، فظل ثلاثين سنة يستغفر من هذا الخاطر، لا لحرمة الكلمة نفسها، ولكن لما أحس فى قلبه من تفضيل النفس على عموم الناس من حوله.

وإذا كان أهل الله يخافون من مجرد خاطر قلبى يفضل النفس على غيرها، فكيف بمن يمد يده إلى المال العام الذى هو ملك لأمة بأسرها؟!

ويقصد بالمال العام: موارد الدولة، وخيراتها، ومقدراتها، وممتلكاتها، وخدماتها، ومرافقها، وما يحصل من الضرائب والزكوات والمشاريع العامة، وسمى عاماً لأنه حق مشترك، لا يختص به شخص بعينه، بل ينتفع به مجموع الأمة.

وعليه فالمنشآت العامة، والمؤسسات والمرافق، ووسائل المواصلات العامة، والأموال التى تجمع للمنافع العامة فى الدولة كالضرائب وغيرها، كل هذا مال عام ينبغى علينا زيادته، والحفاظ عليه.

وكل هذه الأمور ملك لنا جميعا، فنحافظ عليها جميعاً، كى ننتفع بها جميعاً، فهى أمانة بين أيدى الجميع لخير الجميع، وعن عدى بن عميرة الكندى رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطاً فما فوقه، كان غلولاً يأتى به يوم القيامة».

لا يعتدى أحد منا على المدارس، أو يخرب شيئاً من مرافقها، بل يحافظ عليها لأنها ملكه وملك الجميع.

ولا يعتدى أحدنا على منشآت المستشفيات أو أدواتها وأجهزتها لأن خيرها لك وللجميع.

ولا يعتدى أحد منا على وسائل النقل العام من القطارات والسيارات، ولا يمزق مقاعدها، ولا يخرب منها شيئاً، حتى تظل فى خدمتك وخدمة الجميع.

ولا يعتدى أحد على الكهرباء بغير الطريق المشروع، ولا على شىء من منشآتها ومحولاتها وأسلاكها، حتى تظل تنير لك وللجميع.

ولا يستخدم أحد منا أمور الوظائف العامة وأدواتها فى شئونه الشخصية حتى يظل خيرها يجرى عليك وعلى الجميع.

ولا تعتدى على مصارف المياه والترع بإلقاء المخلفات فيها، حتى تظل تسقى أرضك وأرض جيرانك وتجرى بالخير للناس جميعاً.

ولا يضيق أحد منا الطرق العامة بوضع تجارته الخاصة، بل يضع تجارته فى المواضع المحددة فيظل الطريق يتسع له وللجميع.

فليحذر كل منا من هذا، قال الله تعالى: {ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمت الله قريب من المحسنين}، ومن اعتدى على شىء من ذلك، فليسارع إلى التكفير عن ذنبه، وإلى نفع الناس جميعاً، وإلى التخلق بكل معانى الجود والكرم، الذى يتسع به لإكرام الجميع ونفع الجميع.

إن الشرع الشريف جاء بتعظيم الشعور بالأمانة، وأمرنا بأن يحرص بعضنا على بعض، ويخشى بعضنا على بعض، ولا يغلق أحد منا باب الخير على غيره، لنفع نفسه، فإذا قدم الواحد منا نفسه على الناس خسر هو وخسروا جميعاً، وإذا امتلأ باطنه جوداً وكرماً يتسع به للناس كلهم، ويشمل به الناس كلهم، ربح هو وربحوا جميعاً.