زمن عبد الفتاح الجمل
كان عبد الفتاح الجمل، الأب الروحي لجيل الستينيات، وللكثيرين من أبناء جيلي، جيل السبعينيات من الكتاب والصحفيين والشعراء والنقاد والمبدعين. وكان مثقفا رفيعا، يقرأ الأدب العالمي، كما كان عاشقا للموسيقى الكلاسيكية، والأهم، أنه كان صاحب فضل كبير علينا جميعا، ومع ذلك، كان شديد التواضع والبساطة. وكان يتمتع بروح المرح والسخرية المعروفة عن المصريين، ولكن مثل أي أب، كان يمكن أن يقسو أحيانا على أبنائه بدافع حرصه عليهم.
قابلت عبد الفتاح الجمل أول مرة، في منتصف عام 1973، عندما كنت طالبا جامعيا صغير السن، قليل التجربة، ولكن شديد الحماس والاعتزاز بالنفس. وكنت قد نشرت بعض المقالات في نشرة نادي القاهرة للسينما، واعتقدت، مثل أي كاتب مبتدئ، أن ما أكتبه غير قابل للمناقشة.
قابلته دون أن أعرف من هو، مع صديقي محمد كامل القليوبي الذي كان قد درس السينما في القاهرة قبل أن يذهب إلى موسكو لإعداد رسالة الدكتوراه. وبادرني القليوبي معلقا على مقال لي كان يتضمن نقدا لفيلم تسجيلي لم يعجبني، وكان القليوبي يستنكر المقال ويدافع عن الفيلم، فأخذت أبرر وأشرح، ولكن بمجرد أن بدأت أتكلم انفجر الرجل الآخر، في نوبة من الضحك المتواصل كأنه يسخر مما أقوله!
نظرت إليه بدهشة ممزوجة بالغضب، ثم تماسكت وواصلت كلامي بجدية تامة متصورا أنه سيعود إلى صوابه، لكني ما كدت أكمل جملة مفيدة إلا ووجدته يسترسل في نوبة جديدة من الضحك المتواصل. قلت له أنا لا أعرف من تكون ولا من الذي منحك الحق في السخرية من الآخرين، ثم اختتمت كلامي بأن المناقشة بيننا قد انتهت وغادرت.
علمت من القليوبي بعد ذلك أن هذا الرجل لم يكن أقل من عبد الفتاح الجمل نفسه، وأن تلك هي طريقته في المداعبة وإنه لا يقصد شرا على الإطلاق، لكني لم اقتنع.
ومضت ثلاث سنوات وأنا لا أفوت أي فرصة تسنح كلما جاءت سيرة عبد الفتاح الجمل لكي أهاجمه بعنف متسائلا: كيف يكون مثقفا وعلى هذه الدرجة من "قلة الأدب"؟ وكان أصدقائي يتحدثون عنه بحب كبير، ويتهمونني بالتزمت والجمود، ولكني بقيت على موقفي.
وذات يوم قابلت الصديق الأديب عبده جبير على مقهى ريش، وكنا نتحدث عن ضيق مجالات النشر، فسألني عبده: ولم لا تجرب صفحة "المساء" الثقافية التي يحررها عبد الفتاح الجمل؟ رفضت الفكرة تماما وأخذت أقص عليه ما حدث مع الجمل، فلم يبدو عليه أنه أخذها على محمل الجد وأخذ يهون كثيرا من أهميتها وعواقبها، ثم اقترح أن أذهب معه في نفس المساء إلى عبد الفتاح الجمل في مكتبه بالجريدة لأن لديه مواد يريد تسليمها له، فتساءلت مستنكرا: كيف يحدث هذا.. هل تريدني أن أعتذر له أيضا؟ إنه هو المسؤول عن الخطأ وهو الذي يجب أن يعتذر!
قال عبده بهدوء: عليك أن تأتي معي فقط.. وليس مطلوبا منك أن تتكلم أبدا.
وافقت على مضض وكان اللقاء مدهشا، فقد بادر عبد الفتاح الجمل لحظة أن شاهدني فقال لعبده بهدوء وحكمة وهو يشير: أتعرف.. كان "هذا" فاشيا عظيما!
ضحكت، وضحك عبده جبير، وأصبحت القصة بأكملها في خبر كان. ثم التفت الجمل ناحيتي وسألني في ود: أين كتاباتك؟ أريد مقالا للنشر في موعد أقصاه الخميس المقبل.
وكانت بداية تعاون مثمر بيننا. سلمته موضوعا دسماً طويلاً بذلت فيه جهدا كبيرا ولم أكن أظن أبدا أنه من الموضوعات التي يمكن أن تقبل في الصحافة العامة اليومية، فقد كان أقرب إلى ما ينشر في الدوريات الثقافية الثقيلة. ونسيت الأمر. لكنه نشره على صفحة كاملة في الجريدة. وكانت مكافأة المقال وقتها، عبارة عن خمسة جنيهات. ولم يكن مبلغا زهيدا في تلك الأيام.
صدمت عندما علمت بنبأ استقالته من جريدة "المساء" بعد التغيرات الدرامية التي أحدثها السادات في الصحافة المصرية في أعقاب انتفاضة يناير 1977. وبعد وفاته في 1994، لم أعد أرى القاهرة كما كنت أراها من قبل!