بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

لغة الضاد

في يومها العالمي.. العربية لغة الوحي والهوية وجسر الحضارة الإنسانية

بوابة الوفد الإلكترونية

يحتفي العالم في الثامن عشر من ديسمبر باليوم العالمي للغة العربية، تلك اللغة التي لم تكن مجرد أداة للتواصل، بل كانت – ولا تزال – وعاءً للوحي الإلهي، ولسانَ القرآن الكريم، وأحد أعمدة الهوية الحضارية للأمة الإسلامية، إلى جانب كونها ركيزة أساسية من ركائز التنوع الثقافي الإنساني.

فاللغة العربية تميّزت بخصوصية دينية فريدة؛ إذ اختارها الله سبحانه وتعالى لكتابه الخاتم، فقال في محكم التنزيل:﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، وهو ما منحها مكانة سامية في قلوب المسلمين، حيث لا تُؤدَّى الصلاة ولا تُتلى آيات الذكر الحكيم إلا بها، ولو في حدّها الأدنى من الإتقان.


 

لماذا سُمِّيت العربية بلغة الضاد؟

سُمّيت اللغة العربية بـ«لغة الضاد» لاحتوائها على حرفٍ تفردت به دون سائر لغات العالم، وهو حرف الضاد، الذي عُرف بصعوبته الصوتية على غير الناطقين بها. وقد عُدّ هذا التفرد شاهدًا على ثراء العربية الصوتي والبياني، ودليلًا على عمقها اللغوي الذي مكّنها من استيعاب أدق المعاني وأوسع الدلالات.

العربية لغة عالمية بقرار أممي

لمكانتها الحضارية وانتشارها الواسع، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اللغة العربية لغةً رسمية من لغات العمل الدولية، بموجب القرار رقم 3190 (د-28) الصادر في 18 ديسمبر 1973، لتكون واحدة من اللغات الست الرسمية للأمم المتحدة، ويتحدث العربية اليوم أكثر من 400 مليون إنسان في العالم، إلى جانب ملايين المسلمين غير العرب الذين يتعبدون بها يوميًا.

 

شعار 2025.. ابتكار لغوي يخدم الإنسان

ويأتي الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية لعام 2025 تحت شعار:«مسارات مبتكرة للغة العربية: سياسات وممارسات من أجل مستقبل لغوي أكثر شمولًا»،
وهو شعار ينسجم مع مقاصد الإسلام في الدعوة إلى العلم، والتيسير، ورفع الحرج، وتوظيف الوسائل الحديثة لخدمة الإنسان، دون تفريط في الثوابت.

وتركّز الفعاليات الدولية التي تنظمها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) على دور التعليم والتكنولوجيا والإعلام والسياسات العامة في دعم حضور العربية، وإتاحتها للمجتمعات متعددة اللغات، بما يعزز العدالة اللغوية ويحفظ حق الشعوب في لغتها الأم.


 

العربية… لغة القرآن وحاضنة الديانات

لا تقتصر قدسية اللغة العربية على الإسلام فحسب، بل تمتد لتكون لغة شعائر دينية لدى بعض الكنائس الشرقية، كما كُتبت بها أعمال فكرية ودينية يهودية في العصور الوسطى. غير أن ارتباطها بالقرآن الكريم منحها منزلة استثنائية؛ فهي لغة الذكر، ولسان الدعاء، ومفتاح فهم الشريعة.

وقد أجمع علماء الأمة على أن حفظ العربية من حفظ الدين، لأن الجهل بها يفضي إلى سوء فهم النصوص الشرعية، وهو ما أكده الإمام الشافعي بقوله: “ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب”.


 

دور حضاري في نقل العلوم وبناء الجسور

عبر التاريخ، كانت العربية لغة العلم والمعرفة، إذ أسهمت في نقل التراث الفلسفي والعلوم اليونانية والرومانية إلى أوروبا، ومهّدت لنهضتها الحديثة. كما لعبت دورًا محوريًا في التواصل بين الحضارات عبر طرق التجارة، وعلى رأسها طريق الحرير، الذي ربط الشرق بالغرب ثقافيًا وفكريًا.


 

مبادرات معاصرة لحماية اللغة والهوية

وفي إطار الحفاظ على الهوية اللغوية، أُطلقت مبادرات تعليمية وثقافية تستهدف الأجيال الناشئة، خاصة أبناء الجاليات العربية في الخارج، لتعزيز ارتباطهم بلغتهم الأم، وتنمية مهارات القراءة والكتابة والتحدث بالعربية، باستخدام أدوات تعليمية حديثة وتفاعلية، بما يحقق التوازن بين الأصالة والمعاصرة.

كما يواصل مجمع اللغة العربية بالقاهرة جهوده العلمية في تطوير المعاجم، واستيعاب المصطلحات الحديثة، وصون العربية من الاضطراب، انطلاقًا من رسالته في خدمة لغة القرآن وحمايتها من التآكل.

 

لغة الماضي… ورسالة المستقبل

ويمثل اليوم العالمي للغة العربية محطة سنوية للتذكير بأن العربية ليست لغة تراث فحسب، بل لغة قادرة على مواكبة العصر، واستيعاب العلوم الحديثة، وحمل القيم الإنسانية النبيلة، متى توفرت لها الإرادة الصادقة، والسياسات الداعمة، والوعي المجتمعي، فالعربية، التي كانت يومًا لغة الوحي، قادرة اليوم أن تكون لغة الحوار، والعلم، وبناء المستقبل، دون أن تفقد قدسيتها أو هويتها.