بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

تكلفة المتر المكعب تتراوح بين 15 و50 جنيهاً:

تحلية مياه البحر «الخيار المر»

بوابة الوفد الإلكترونية

الحكومة تهدف لتحلية 3.5 مليون متر مكعب عام 2030
إنشاء عشرات المحطات على سواحل البحرين الأبيض والمتوسط والتكلفة تتجاوز مليارات الجنيهات
المرحلة الأولى من محطة تحلية شرق بورسعيد تكلفت 3 مليارات جنيه
خبراء: الآثار البيئية لمحطات التحلية خطيرة.. ولا بد من خطة متكاملة لتوفير المياه لمصر

فى ظل التحديات المتزايدة التى تواجهها مصر فى ملف المياه، خاصة مع محدودية الموارد المائية وتراجع حصة الفرد من مياه النيل، أعلنت الحكومة عن التوسع فى مشروعات تحلية مياه البحر كأحد الحلول الاستراتيجية لمواجهة العجز المائى المستقبلى، ولكن هذا التوسع أثار تساؤلات عديدة حول جدواه الاقتصادية، وقدرة الدولة على تحمل تكلفته الباهظة فى ظل الأزمة المالية الحالية، خاصة أن مشروعات التحلية تُعد من أغلى تقنيات إنتاج المياه العذبة فى العالم.
بحسب البيانات الحكومية، تستهدف مصر الوصول إلى تحلية أكثر من 3.5 مليون متر مكعب يومياً من مياه البحر بحلول عام 2030، من خلال إنشاء عشرات المحطات على سواحل البحرين الأحمر والمتوسط، بالشراكة مع القطاع الخاص وصناديق استثمار خليجية.
إلا أن تكلفة إنشاء محطة تحلية واحدة متوسطة الحجم تتجاوز مليار جنيه مصرى، فضلاً عن تكاليف التشغيل العالية بسبب استهلاك الطاقة الكبير.
وبينما ترى الحكومة أن التحلية هى الخيار الآمن والمستقبلى، يرى بعض الخبراء أنها قد تكون خياراً استراتيجياً رغم ارتفاع تكلفتها واستهلاكها للطاقة وتأثيرها البيئى، بالإضافة إلى اللجوء للحلول البديلة مثل إعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، وتقنيات الرى الحديث، وتقليل الفاقد فى شبكات المياه، التى قد تكون أكثر واقعية وأقل تكلفة.
كل هذا يضعنا أمام العديد من التساؤلات حول البيئة البحرية ومدى تأثرها بمخلفات محطات التحلية التى تُفرغ كميات كبيرة من الأملاح والمعادن فى البحر، ما قد يهدد الحياة البحرية ويزيد من معدلات التلوث الساحلى.
وللإجابة عن كل هذه التساؤلات التقت الوفد الدكتور ضياء القوصى، خبير الموارد المائية، الذى أكد أن تحلية مياه البحر أصبحت الخيار الاستراتيجى الأول لمصر خلال المرحلة المقبلة، موضحاً أنه لا يمكن النظر إليها باعتبارها بديلاً طارئاً أو حلاً استثنائياً، بل ضرورة وطنية لا غنى عنها، حتى وإن استمرت مياه النيل فى التدفق بالمعدلات الحالية فمصر تواجه زيادة سكانية سريعة تحتاج إلى توسع مماثل فى الموارد المائية، وهو توسع لن يتحقق ألا عبر مصادر جديدة بالكامل، وليس من خلال إعادة تدوير الموارد القائمة.
ويشير القوصى إلى أن إعادة استخدام مياه الصرف الزراعى والصحى، رغم أهميته، لا يمثل مورداً مائياً جديداً، لأن هذه المياه تُعاد إلى دورة الاستخدام مرة أخرى ولا تُضيف إلى إجمالى حجم الموارد ولهذا فإن التحلية هى السبيل الوحيد لزيادة الرصيد المائى الكلى للدولة، وإنتاج مياه إضافية تلبى احتياجات الشرب والصناعة والتوسع العمرانى المستقبلى.
وأضاف أن مصر تمتلك خبرة طويلة فى مجال التحلية تمتد لعقود، وقد تطورت تلك الخبرة بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، مع اعتماد الدولة على أحدث التقنيات العالمية، وعلى رأسها تقنية التناضح العكسى (RO)، التى أصبحت التكنولوجيا الأكثر استخداماً على مستوى العالم نظراً لكفاءتها وتكلفتها الأقل مقارنة بالطرق الحرارية.
ويؤكد أن المشروعات الحالية على البحرين الأحمر والمتوسط تُدار بمستويات عالية من الكفاءة، وتعكس قدرة مصر على مواكبة التطورات التكنولوجية فى هذا القطاع الحيوى.
استغلال الخزان الجوفي
لكن خبير الموارد المائية يرى أن التحدى الأكبر الذى يواجه مصر اليوم لا يقتصر على تحلية مياه البحر، بل يمتد ليشمل ضرورة استغلال الخزانات الجوفية المالحة، خاصة فى المناطق التى تحتوى على مياه تتراوح ملوحتها بين الخفيفة والمتوسطة.
ويشير إلى أن تركز الأملاح فى هذه الخزانات أقل من مياه البحر، وهو ما يجعل تحليتها أقل تكلفة واستهلاكاً للطاقة.
ويعتبر القوصى أن التوسع فى هذا النوع من التحلية قد يغير شكل الخريطة المائية فى مصر، خاصة فى المناطق الصحراوية التى يمكن إمدادها بمياه صالحة للشرب والتنمية.
ويشدد على أن العامل الحاسم فى تخفيض تكلفة التحلية وتحقيق الاستدامة الاقتصادية يكمن فى استخدام الطاقة المتجددة، فمحطات التحلية التقليدية تعتمد على كميات هائلة من الكهرباء أو الوقود لتشغيلها، ما يرفع تكلفة إنتاج المتر المكعب ويضع عبئاً على الموازنة، أما الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وخاصة فى مناطق مثل البحر الأحمر ومطروح التى تتمتع بإشعاع شمسى مرتفع وسرعات رياح كبيرة، فيمكن أن يخفض التكلفة التشغيلية بدرجة جوهرية، ويجعل مشروعات التحلية أكثر جدوى على المدى الطويل.
ويرى القوصى أن الجمع بين تحلية الخزانات الجوفية ذات الملوحة المنخفضة واستخدام الطاقة المتجددة يمثل مستقبل قطاع المياه فى مصر، لما يوفره من تكلفة أقل، ومرونة أكثر، وقدرة على توصيل المياه للمناطق الداخلية بعيداً عن السواحل، كما يمنح الدولة فرصاً لتوسيع مشروعات التنمية فى الصحراء، التى تمثل أكثر من 90% من مساحة مصر.
ويختتم الدكتور ضياء القوصى بالتأكيد على أن تحلية المياه لم تعد اختياراً يمكن تأجيله، بل ركيزة محورية فى استراتيجية الأمن المائى لمصر خلال العقود المقبلة، فمع تزايد السكان وثبات حصة مصر من نهر النيل، لا بد من خلق مصادر مائية جديدة، تكون التحلية فى مقدمتها، مدعومة بتقنيات حديثة وطاقة نظيفة تضمن كفاءة الإنتاج واستدامته.
عملية مكلفة
من جانبه قال الدكتور صالح عزب، الخبير الاقتصادى، أن تحلية مياه البحر رغم كونها خياراً استراتيجياً لمواجهة الفقر المائى، فإنها تظل واحدة من أكثر العمليات تكلفة واستهلاكاً للطاقة، فضلاً عن آثارها البيئية الممتدة.
ويوضح أن مشروعات التحلية تعتمد على تقنيات معقدة تتطلب كميات هائلة من الطاقة، سواء كانت كهرباء أو وقوداً أحفورياً أو حتى طاقة نووية، ما ينعكس مباشرة على ارتفاع الانبعاثات الكربونية، فكل متر مكعب من المياه المحلاة يقابله حرق وقود يزيد من تركيز ثانى أكسيد الكربون فى الغلاف الجوى، وهو ما يجعل التحلية فى صورتها الحالية –عبئاً بيئياً لا يمكن تجاهله.
أما فى حال الاعتماد على الطاقة النووية، فيضاف إلى ذلك مخاطر التسريبات الإشعاعية المحتملة، وما قد تسببه من أضرار طويلة الأمد للإنسان والبيئة.
ويشير عزب إلى مشكلة بيئية أخرى لا تقل خطورة عن استهلاك الطاقة، وهى المحلول الملحى المركز الناتج عن عملية التحلية، والذى يُعاد ضخه مرة أخرى إلى البحر، فهذا المحلول غنى بالأملاح والمواد الكيميائية المتخلفة عن العمليات الصناعية، وبالتالى يؤدى إلى رفع نسبة الملوحة فى المياه الساحلية، ما يؤثر على الكائنات البحرية الحساسة ويهدد التنوع الحيوى، ففى كثير من المناطق التى شهدت توسعاً سريعاً فى محطات التحلية، ظهرت مؤشرات واضحة على تراجع الشعاب المرجانية والأسماك والكائنات الدقيقة، نتيجة اختلال توازن النظام البيئى.
وعلى المستوى الاقتصادى، يشدد عزب على أن تكلفة إنشاء وتشغيل محطات التحلية من أعلى التكاليف فى قطاع البنية التحتية، إذ تتراوح تكلفة بناء محطة واحدة بين مئات الملايين وأكثر من مليار دولار، بحسب حجمها وموقعها وتصميمها ونوعية التحلية المطلوبة، فعلى سبيل المثال، بلغت تكلفة إحدى محطات التحلية الكبرى فى الإمارات ما يقرب من 797 مليون دولار بطاقة إنتاجية تقترب من 682 ألف متر مكعب يومياً، وهى تكلفة تعتبر نموذجية مقارنة بالمشاريع الإقليمية.
أما فى مصر، فقد بلغت تكلفة المرحلة الأولى من محطة تحلية شرق بورسعيد نحو 3 مليارات جنيه بطاقة 150 ألف متر مكعب يومياً، مع خطط لمضاعفة الإنتاج فى مراحل لاحقة وتُظهر تلك الأرقام مدى ضخامة الاستثمارات المطلوبة، خاصة إذا كانت الدولة تستهدف التوسع فى إنشاء العشرات من المحطات الجديدة على البحرين الأحمر والمتوسط.
ويضيف الخبير الاقتصادى أن تكلفة إنشاء المتر المكعب الواحد من الطاقة الإنتاجية قد تصل فى بعض الحالات إلى 15 ألف جنيه مصرى، خاصة فى المحطات التى تستخدم تقنيات متقدمة أو تحتاج إلى تجهيزات خاصة للبيئة البحرية أو عمليات ربط مكلفة بالشبكة القومية، أما تكلفة إنتاج المتر المكعب من المياه الجاهزة للاستخدام فتتراوح وفقاً للتقديرات الحالية بين 15 و50 جنيهاً، أى ما بين ربع دولار إلى دولار كامل، وهى تكلفة تفوق بكثير تكلفة المياه العذبة التقليدية من نهر النيل أو المياه الجوفية.
ورغم هذه التكلفة العالية، يرى عزب أن تحلية المياه تظل خياراً اقتصادياً مقبولاً للاستخدامات المنزلية والصناعية والسياحية، حيث تكون القيمة المضافة أعلى، والاستهلاك أقل مقارنة بالزراعة، أما فى القطاع الزراعى، فإن استخدام المياه المحلاة يصبح غير اقتصادى تماماً، لأن الزراعة فى مصر تستهلك ما يزيد على 70% من إجمالى الموارد المائية، وهو ما يجعل تكلفة الزراعة بالمياه المحلاة غير قابلة للتحمل لا من الدولة ولا من المزارعين.
كما يلفت عزب إلى وجود تفاوت فى تكلفة الإنتاج بين المناطق الجغرافية المختلفة؛ فتكلفة تحلية مياه البحر الأبيض المتوسط قد تكون أقل بنحو 10–50% مقارنة بمياه البحر الأحمر، وذلك بسبب الفروق فى درجات الملوحة وعمليات التنظيف والمعالجة المطلوبة قبل التحلية.
ويؤكد الخبير الاقتصادى أن توطين صناعة مكونات محطات التحلية أصبح ضرورة ملحة لتقليل فاتورة الاستيراد، خاصة فى ظل تقلبات أسعار الدولار وارتفاع سعر المعدات والمواد الخام عالمياً، فكل خطوة فى اتجاه التصنيع المحلى تمثل تخفيضاً مباشراً فى تكلفة إنشاء المحطات وتشغيلها، إضافة إلى خلق فرص عمل ونقل تكنولوجيا جديدة للسوق المصرى.
ويختتم عزب حديثه بتلخيص اقتصاديات تحلية مياه البحر فى ثلاث نقاط رئيسية.
أولاً: التكلفة العالية
فالتحلية لا تزال حتى الآن أغلى بكثير من مصادر المياه التقليدية، سواء فى مرحلة الإنشاء أو التشغيل أو الصيانة، وهو ما يجعل الاعتماد عليها بشكل واسع يتطلب خططاً مالية مستدامة.
ثانياً: الاستدامة
المحطات تحتاج إلى استثمارات ضخمة ودورية للحفاظ على كفاءتها، نظراً لارتفاع معدل تآكل المعدات نتيجة الأملاح وضرورة استبدال الأغشية والفلاتر بانتظام.
ثالثاً: تكلفة النقل
فى كثير من الحالات، يتم إنشاء المحطات على السواحل، بينما تكون الحاجة الأكبر للمياه فى المدن الداخلية والقرى البعيدة، وهو ما يستلزم مد شبكات نقل طويلة ومكلفة، تضيف عبئاً جديداً على التكلفة النهائية للمتر المكعب.
ويؤكد عزب فى النهاية أن التحلية ليست ترفاً ولا رفاهية، بل أصبحت خياراً استراتيجياً لا مفر منه لمواجهة أزمة المياه المتفاقمة، شرط أن يتم تنفيذها ضمن رؤية متوازنة تجمع بين الجدوى الاقتصادية وحماية البيئة وتطوير تقنيات أكثر كفاءة وأقل تكلفة.