بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

مُبِين

بيت لحكاية «النوبلى» الأخيرة

فى سنواته الأخيرة، كان نجيب محفوظ يجلس فى المقهى كمن يجلس إلى حياته كلها دفعة واحدة. وبندبة فى عنقه لن يمهله العمر وقتًا لمحوها، عينان أرهقهما النظر، وذاكرة ما زالت تقاوم الخفوت، وصمت ليس علامة انطفاء، بل خلاصة عمرٍ طويل من الإصغاء. ولم يتحدث كثيرًا عن المجد، كأنه كان يعرف أنه عابر، لكنه ظل وفيًا لتفاصيله الأولى، للمشى اليومى، للوجه البشرى المتعب، للجملة التى يجب أن تُكتب بصدق أو لا تُكتب أبدًا. هكذا ظل محفوظ حتى النهاية، إنسانًا يرى العالم بعين الصامت، ويكتب عنه بقلب من لم يتعالَ عليه يومًا. 

والآن يرقد نجيب محفوظ فى مقبرته على أطراف مدينة السادس من أكتوبر فى صحراء طريق الفيوم، فى مدفن بسيط ككلماته، متقشف كحكمته، صامت كأبطاله حين يصمتون ليقولوا كل شىء. وتسبقه لافتة وحيدة وفقيرة تُرشد إلى حيث الجثمان الذى تدثر بعلم مصر، بلا علامة تُنبه إليه، ولا مظهر يُشبه ما يستحقه كاتب عربى وحيد حاز نوبل للأدب منذ سبعة وثلاثين عامًا، ترك فيها الفرصة لكل من أتى بعده من الكتاب المصريين والعرب، أن يفعلوا فعله، أو يصيبوا صيده الثمين، لكن أحدًا لم يفعل.

نجيب محفوظ الذى جعل من القاهرة حكاية يقرؤها العالم، رواياته تُدرّس، وتُترجم، وتُقتبس، وتُستلهم، وتتحول إلى سينما ودراما. ومع كل ذلك فمدفنه لا يمثل سوى نقطة خفوت فى نهاية الرحلة. وعلى غير ما كان مع جميع مَنْ لا يقل عنهم عالمية، ففى باريس يقف المريدون لزيارة قبر «فيكتور هوغو» بالساعات من أجل إلقاء السلام على روحه. وحولت روسيا مدفن «تولستوى» إلى متحف كبير. كما احتفظت إنجلترا برفات «شكسبير» فى كنيسة الثالوث المقدس، وفى أمريكا يقف الزوار بخشوع أمام قبر «إدغارآلان بو». حتى فى اليابان يحج القراء إلى حيث مقبرة «ياسونارى كواباتا». لقد صارت مقامات الكتاب العالميين جزءًا من الذاكرة الثقافية لشعوبهم. بينما نحن هنا، لا يجد حواريو «محفوظ» مكانًا يليق بالجلوس قرب مقامه، أو فرصة لإهدائه باقة من الزهور حتى لو فى صمت. 

لذا أتمنى أن يتحول مدفن نجيب محفوظ إلى مزار يليق بأثره، وليكن مقامًا يفتح أبوابه للعالم، بما يليق بالعالمية التى أحرزها. ولأن المشروع يتجاوز كونه حجارة، ويقترب من كونه ذاكرة وطنية تحتاج من يُضيئها، أتمنى إطلاق اكتتاب عام، يُفتح أمام الأفراد والمؤسسات، داخل مصر وخارجها، لمن يرغب فى أن يضع اسمه فى صفحة من صفحات العرفان. ويمكن أن تسهم فى هذا الاكتتاب وزارات الثقافة العربية، والمؤسسات الأدبية، والجامعات، وكذلك وزارتا الآثار والسياحة، وكل قرّاء محفوظ، ولتُقسَّم التكلفة إلى أسهم رمزية، يشتريها الجمهور، لا من أجل الربح المادى، بل ليكونوا جزءًا من حماية إرث أدبى صنع مجد مصر والعرب العالمى. وليكن هذا المقترح نداءً موجهًا إلى دولة رئيس الوزراء مصطفى مدبولى، لتتبنى الدولة هذا المشروع الإنسانى الثقافى. 

فلم يَسْعَ نجيب محفوظ لأن يكون استثنائيًا، فصار كذلك، هو فقط كان شديد الانتباه للحياة. خرج كل صباح إلى عمله الحكومى، وعاد مساءً إلى طاولته الصغيرة، وفى المسافة بين الذهاب والعودة راكم حكايات الناس كما تُراكم الذكريات فى القلب. لقد عاش منضبطًا، قليل الكلام، واسع الرؤية، يُفضّل الصمت الذى يُرى على الضجيج الذى يمر. وحين كتب، لم يكتب عن نفسه بقدر ما كتب بها، بقلقها، وبساطتها، وبإيمانها العميق بأن الإنسان يستحق أن يروى، فيهمس لنا: «أنا ابن هذا الزمان وأبوه».