بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

في افتتاح المتحف الوطني الليبي

ليبيا تهدي ضيوفها "إمبراطورها الروماني".. فما حكايته المثيرة مع القذافي؟

بوابة الوفد الإلكترونية

في لفتة ثقافية جذابة، لم تكتفِ ليبيا بافتتاح متحفها الوطني كحدث تاريخي، بل قررت أن تهدي ضيوفها من أنحاء العالم قطعة من هذا التاريخ نفسه. لقد حمل الضيوف  معهم عند مغادرتهم طرابلس، نسخاً تذكارية فاخرة من التمثال النصفي للإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس،  المولود في مدينة لبدة الليبية، مجسدةً بذلك رسالة ثقافية تؤكد على عمق الانتماء الحضاري للبلاد.
 

 

لم تكن الهدية مجرد نسخة عادية، بل كانت عملاً فنياً تذكارياً يليق برمزية الشخصية. وضع التمثال النصفي المصغر داخل علبة فخمة عبارة عن صندوق خشبي مبطن من الخارج بالجلد، ومن الداخل بالقطيفة الحمراء، فيما تألق في الداخل شريحة حديدية مذهبة حملت اسم الإمبراطور "سبتيموس سيفيروس" بكل من اللغة العربية والأجنبية، وتواريخ ولادته ووفاته (146-211 م)، إلى جانب شعار المتحف الوطني وعلم حكومة الوحدة الوطنية. هذا التصميم الدقيق حول التمثال من أثر تاريخي إلى سفير ثقافي راقٍ

الإمبراطور الليبي الذي حكم روما

تكمن قوة الرسالة في عمق الشخصية المختارة كهدية تذكارية بمناسبة إعادة افتتاح المتحف الوطني الليبي، إنه لوسيوس سبتيموس سيفيروس (146-211 م)، الإمبراطور الروماني الذي ولد في لبدة الكبرى بغرب ليبيا، ليكون أول إمبراطور من أصل شمال أفريقي في تاريخ روما. 
حكم من عام 193 حتى 211 م، وأسس السلالة السيفيرية. اشتهر سيفيروس كقائد عسكري وصاحب إصلاحات، وقاد حملات ناجحة في أفريقيا وضد الإمبراطورية الفرثية في الشرق، ووصل حتى بريطانيا حيث توفي في يورك. 
وشيد العديد من الآثار، بما فيها قوس النصر في روما وآخر في مسقط رأسه لبدة.

ويوجد تمثال نصفي آخر لسبتيموس سيفيروس مصنوع من الذهب وعُثر عليه في اليونان عام 1965، وهو محفوظ حالياً في متحف كوموتيني الأثري باليونان. 

قصة سبتيموس مع القذافي

كان التمثال في البداية معلماً بارزاً في مدينة طرابلس، وتحديداً في ميدان الشهداء (المعروف سابقاً باسم "ميدان سيفيروس").
وفي أواخر الثمانينيات، نقل معمر القذافي التمثال  سيفيروس من ميدان الشهداء في طرابلس إلى مدينة لبدة الأثرية،  وكان ذلك مدفوعاً بدوافع أيديولوجية وسياسية تهدف إلى إعادة صياغة الهوية الليبية بما يتوافق مع رؤيته "الجماهيرية" ومعاداته للرموز التي يراها مرتبطة بالاستعمار.

 


ربما رأى النظام أن وجود رمز لحاكم إمبراطوري (ولو كان ليبي المولد) في الساحة الرئيسية للعاصمة يتنافس مع الرمزية الثورية المطلقة التي أراد فرضها، تبدأ من "الفاتح" سبتمبر 1969 كبداية للتاريخ الحقيقي في نظره.
على عكس سياسة محو التاريخ ،اتبع القذافي أحياناً سياسة إعادة توجيه الرموز لخدمة أغراضه، حيث نقل التمثال إلى مسقط رأس الإمبراطور (لبدة) في منطقة الخمس، يمكن تفسير ذلك كمحاولة لاكتساب الولاء المحلي في تلك المنطقة، أو لاستخدام التاريخ كأداة للتفاخر الإقليمي .
 

جدل الأصل ورمزية النسخة

وفي الوقت الحالي، تلقي هذه الهدية التذكارية بظلالها على الجدل الدائر حول مصير التمثال البرونزي الأصلي، والذي لا يزال مثار خلاف. فبعد نقله من ميدان الشهداء بطرابلس إلى لبدة في عهد قذافي ، أعلنت مصلحة الآثار مؤخراً عن عزمها إعادته إلى العاصمة، مما أثار اعتراضات في مدينة الخمس (القرب من لبدة) التي ترى في بقائه بمسقط رأسه ضماناً لحفظه وهويتهم.
فيما بررت المصلحة قرارها بأنه يهدف إلى حماية التمثال وصونه من التلف في بيئته الأثرية المفتوحة بلبدة.


بين سندان طرابلس ومطرقة لبدة، يبقى تمثال سبتيموس سيفيروس الليبي شاهداً صامتاً على تاريخ ليبيا الغني

وبهذا، تقدم الهدية التذكارية حلاً رمزياً بارعاً: فبينما يناقش الأصل كجزء من نسيج محلي، تنتشر النسخ لتكون رسالة عالمية. 
أن اختيار سيفيروس كسفير للتراث الليبي في هذه المناسبة، يؤكد سردية وطنية تبحث عن جذورها في عمق الحضارة الإنسانية، متجاوزة بذلك الانقسامات السياسية الآنية نحو تاريخ جامع وفخر مشترك.