بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

خارج السطر

العالم العربى من الاستعمار للاستقلال

بعض الأسئلة مخيفة، ومعظم الإجابات محبطة. وصار يوجعنى السؤال الأشهر الذى يطرحه بعض الساسة والمفكرين للمقارنة بين أحوال الدول العربية خلال زمن الاستعمار، وأحوالها الآن.

يحبط المواطن العربى كلما رأى صوراً قديمة لشوارع بلاده النظيفة، تبتسم الوجوه، تبزغ الأناقة على البشر، تفوح الطاقات الإيجابية، ويحس الجمال.

يحبط العربى كلما قرأ عن بدايات الحداثة للمؤسسات والقوانين المنظمة لحياة البشر، يحزن كلما استمع لشهادات مسنين يروون ذكرياتهم خلال زمن الاستعمار فى بلادنا.

منذ منتصف القرن العشرين، اندلعت ثورات، وبذلت تضحيات، وقاوم البشر بكل ما يمتلكون، واستشهد أبطال طلباً للاستقلال.

بنى الوطنيون العرب آمالاً عظيمة لبلدان حرة، يتمتع أهلوها بالعزة والكرامة، ينعمون بالأمن، وينهلون من خيرات بلادهم التى كانت نهباً للمستعمرين. وتنبأ البعض بفورات اقتصادية عظيمة تتيح للبشر قدراً عظيماً من الرضا والسعادة، وآمن البعض الآخر بحكومات قوية منصفة، تقبل بتعدد الآراء، وتسمح بالنقد سعياً لتحسين الأداء.

كانت الأحلام سامية، فرسم الناس أوطاناً من جنان، يبتسم الجميع، يسودها الاحترام، تتسيد فيها العدالة، وتسبق بلاد الاستعمار الظالمة، لكن القادم جاء محبطاً.

استقلت البلدان العربية، بلداً بعد آخر، وحملت جيوش الاستعمار أعلامها وعتادها ورحلت دون أوبة، فاستحوذ الثوار على السلطة. وبدا واضحاً أن رؤوس قادة الثورات لا تحمل سوى الغضب والحماس، لا فكر عميقًا، ولا حس سياسياً، ولا ثقافة واسعة، ولا تعليم متميزًا لذا انصبت الخطط المطروحة على هدم الماضى، دون تشييد المستقبل.

وهكذا قمعت حكومات الاستقلال الآخرين، حتى صفى البعض حساباته مع زملائه الثوار، طمست معالم التاريخ، فانقلب أبطال إلى خونة، وتحول رفاق سلاح إلى مجرمين، ولفقت اتهامات حتى صار واضحاً أن الهدف الأسمى والأولى هو تأمين السلطة الآنية. وفتحت السجون والمعتقلات، عاد الجلادون أشد قسوة، امتهنت الكرامة، ونحيت الأخلاق جانباً، ورأى الناس مشاهد أبشع مما رأوه زمن الاستعمار، وعايشوا وقائع أشد ألماً وقسوة.

يقول لى صديق عراقى ملم بالتاريخ إن الإنسان العراقى عانى فى ظل الحكومات المستقلة فى بلاده أضعاف ما عاناه خلال الاستعمار البريطانى. فقد اكتشف المحتلون النفط، وأسسوا له البنى التحتية، وبنو الجسور والسدود، ووضعوا التشريعات الأولى، بذروا البذرات الأولى للحداثة. لكن صانعى الاستقلال كانت لهم اهتمامات أخرى. فقد عاش عبدالكريم قاسم دموياً قامعاً وانتهى مسحولاً ممزقاً، وجاء صدام حسين ليرسم صورة استثنائية لديكتاتور شديد القسوة والسادية، ليصل الأمر ببعض العراقيين إلى أن يستقبلوا الغزاة الأمريكيين عام 2003 بالورد.

خاض الشعب الجزائرى كفاحاً أسطورياً طال أكثر من مائة عام، قدم خلاله مليوناً ونصف المليون شهيد، تمترس الثوار فى مكافحة الاحتلال الفرنسى الذى لم يسلم بلداً تفيض بالخيرات إلا بعد أن أيقن باستحالة البقاء. وبعد أن تحقق استقلال الجزائر قاتل الثوار الثوار، وتصارعوا، وتصارعوا، فتيبست التنمية عقوداً طويلة حتى ضج الناس وتحسر بعضهم على طرق أنشأها الاحتلال ولم يُنشأ مثلها بعده.

وفى عام 1952 هلل البعض لحركة 23 يوليو فى مصر، اعتبروها ميلاداً جديداً. وكتب مصطفى أمين، وجلال الحمامصى، وكامل الشناوى، عن البطل العظيم جمال عبدالناصر، وعن مصر المستقبل التى ستصعد إلى الفضاء، ويسودها الرخاء. وصدق البعض ونافق البعض الآخر، لكن فى النهاية انساق الجميع خلف القائد الطاووس الحالم بالزعامة العربية، لينفجر بالون الأكاذيب فى وجوه الجميع خلال الهزيمة الإنسانية لا العسكرية فقط فى يونيو 1967، والتى لا تزال آثارها مستمرة.

بقى السؤال محيراً: كيف كنا فى أزمنة الاستعمار؟ وإلى ما صرنا بعد الاستقلال؟ ولم؟ وكيف؟ وإلى متى؟

الله أعلم

[email protected]