بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

هل ما زال في المجتمع ما يكفي من القوة ليحمل الوطن؟

لم يعد الحديث عن العدالة أو الفساد أو تراجع الانتماء مجرد نقاش فكري، بل تحوّل إلى صرخة اجتماعية تتردد في الشوارع والبيوت ومواقع العمل. فالعدالة هي حجر التقدم في الحياة، وهي الحد الفاصل بين الحاكم والمحكوم، وحين تتصدع هذه القاعدة تبدأ الدول في فقدان توازنها. واليوم، تبدو مصر أمام معادلة خطيرة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات: اتساع الفساد، وانهيار الانتماء، وتآكل الطبقة الوسطى. 
من البديهي أن الفساد يزدهر حين يشتد الإغراء لارتكابه ويسهل الإفلات من عقابه. وتاريخيًا، عرفته كل العصور والبلدان بدرجات متفاوتة، لكنه في مصر — كما يرى كثير من المواطنين — بلغ حدًّا يتجاوز القدرة على الاحتمال.
الإغراءات تتكاثر، والضغوط المعيشية تزداد، وارتكاب المخالفة أصبح في كثير من الحالات أسهل من الالتزام، في ظل غياب رادع قوي وحازم. 
صحيح أن الفساد وُجد في العهد الملكي، وتواصل في عصور عبد الناصر والسادات ومبارك، لكنه اليوم أكثر تعقيدًا وخطورة لأنه اقترن بظاهرة جديدة: تراجع الانتماء وضعف الحس الأخلاقي وانعدام الالتزام بالصالح العام، مقابل تصاعد ثقافة “مصلحتي أولًا… ولو على حساب الجميع”.وهذا أمر يستوجب الدراسه والتحليل
حين ينشغل المواطن بتأمين قوته اليومي، يصبح الانتماء رفاهية يصعب التمسك بها. وهنا تستعيد الذاكرة قول كارل ماركس: “العامل لا وطن له”. عبارة قاسية، لكنها تكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها:
الحاجات الضرورية حين تشتد تخنق الشعور بالانتماء. 
وهذا ما أصاب الطبقة الوسطى — عماد أي مجتمع — خلال العقود الماضية.
الطبقة الوسطى… من عمود المجتمع إلى هدف للضربات المتتالية
لطالما كانت الطبقة الوسطى في مصر قبل الثورة طبقة نابضة بالحياة، تحمل قيم الانضباط والالتزام والانتماء، سواء في الريف أو المدن. وكان تأثيرها في الإدارة والتعليم والثقافة ضامنًا لاستقرار المجتمع وتماسكه. 
لكن هذه الطبقة تراجعت تدريجيًا منذ منتصف القرن العشرين، وبدأت رحلة الانهيار مع انفتاح “السداح مداح” الذي أطلق العنان لثقافة الفهلوة والمصالح والصفقات.
بعض أفرادها تحوّل إلى متسلقين يركضون وراء السلطة في عهد مبارك، بينما تعرّض من تمسك بقيمه للدهس تحت وطأة التعويم المتكرر وغياب القدوة وانسداد الأفق الاقتصادي. 
حتى السياسة لم تنجُ؛ فالمقاعد النيابية أصبحت — في كثير من الحالات — تُمنح لمن يملك المال، أيًّا كانت مصادره، لا لمن يملك القدرة والكفاءة. وبذلك خسر المجتمع آخر أدواته لإعادة التوازن. 
الخطر الذي لا يُناقش… مجتمع بلا طبقة وسطى
حين تنهار الطبقة الوسطى، لا يختل الميزان الاقتصادي فقط، بل تهتز ركائز الدولة كلها. فهذه الطبقة هي التي تضبط الإيقاع بين السلطة والمواطن، وهي التي تمنع الفقر من التحول إلى غضب، والغنى من التحول إلى استبداد. فغياب الطبقه الوسطى يعني : 
تضخم النفوذ المالي
انهيار الثقة في المؤسسات
انتشار الفساد كأمر واقع
تراجع الإنتاج وانخفاض جودة الخدمات
شعور عام بالاحتقان قد يهدد الاستقرار
في النهايه … هناك طبقة تختفي ووطن يختنق
لن تستقر دولة يفقد مجتمعها عموده الفقري. ولن تنجو أمة تتراجع فيها العدالة، ويُترك فيها المواطن في مواجهة ضغوط لا ترحم.
الفساد ليس مجرد رقم، والانتماء ليس مجرد شعور، والطبقة الوسطى ليست مجرد شريحة اجتماعية…
إنها شروط البقاء نفسها.
إذا لم تُستعد العدالة، ولم يُواجه الفساد، ولم تُحمَ الطبقة الوسطى، فقد نجد أنفسنا — فجأة — أمام سؤال لم يكن مطروحًا من قبل:
هل ما زال في المجتمع ما يكفي من القوة ليحمل الوطن؟