بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

همسة طائرة

تركيا.. رحلة إلى قلب ما بين النهرين

فى لحظة تعانق فيها الأرضُ التاريخ والسماءُ الأساطير، بدأت رحلتى إلى بلاد ما بين النهرين، تلك المنطقة التى تُعدّ واحدة من أقدم بقاع الحضارة الإنسانية. أربع مدن تركية» «غازى عنتاب، شانلى أورفا، ماردين، وديار بكر» تشكّل اليوم بوابة واسعة لدخول عالمٍ عمره آلاف السنين، لكنه ما زال نابضًا بالحياة، بالوجوه، وبالحكايات.. كانت الرحلة مزيجًا بين العمل الصحفى والتجربة الإنسانية.. بين بحث مهنى عن الشاهد الأثرى وبين انبهار عفوى أمام التفاصيل اليومية للناس، الأسواق، الطرقات، ورائحة التاريخ التى تتسلل من بين الحجارة القديمة.

<< غازى عنتاب: مدينة تعلّمك أن للحضارة نكهة <<

<< يا سادة.. البداية كانت من غازى عنتاب، المدينة التى تجمع مهارة الإنسان فى الطهو بقدرة التاريخ على البقاء..

دخلت متحف الفسيفساء فى زيوغما، وشعرت أننى فى مواجهة مباشرة مع زمنٍ آخر؛ وجوه حجرية تحدق إليك كأنها تعرفك، وألوان ما زالت تقاوم ألفى عام من الغبار.

فى الأزقة القديمة، كان وقع الأقدام يختلط برائحة الفستق الحلبى المحمص، وتكاد تشعر بأن كل تفصيلة هنا لديها قصة ترويها. أدركت أن هذه المدينة لا تُرى فقط.. بل تُتذوّق.

<< شانلى أورفا: حيث تولد الأسطورة من جديد <<

<< يا سادة.. الانتقال إلى شانلى أورفا (الرُّها) كان انتقالًا من عالم إلى عالم.. هناك، عند غوبكلى تبه وكاراهان تبه، وقفت على أرض تعود إلى ما قبل التاريخ بآلاف السنين.

لم تكن مجرد زيارة صحفية لموقع أثرى، بل مواجهة روحية مع جذور الإنسان الأولى.. شاهدت فى وجوه العاملين بالموقع ذلك الإحساس بالفخر، وكأنهم يحرسون ذاكرة الكون.. وفى بحيرة إبراهيم، حيث يلتقى الناس للزيارة والدعاء، تشعر بأن المدينة ما زالت تعيش بين التاريخ والإيمان.. بين القداسة والحياة اليومية.

<< ماردين: مدينة معلّقة على كتف الجبل <<

<< يا سادة.. عند الوصول إلى ماردين، شعرت أننى أمام لوحة فنية معلّقة على كتف جبل، مدينة تشرف على سهول بلاد ما بين النهرين كأنها الحارس الأخير لبوابة الشرق القديم.. كانت المبانى الحجرية بلون الذهب عند الغروب تمنح المدينة جمالًا يصعب وصفه.

مشيت بين الأزقة الضيقة، حيث يمتزج العربى بالتركى بالسريانى.. لغات تتعايش كما تتعايش الحجارة القديمة مع الأرواح التى مرت بها.

أثناء زيارتى لدير الزعفران، أدركت أن هذه المنطقة ليست فقط متحفًا مفتوحًا، بل مدرسة فى التسامح الدينى والتاريخى، حيث عاش الأرمن والسريان والعرب والأكراد على أرض واحدة لقرون طويلة.

<< ديار بكر: المدينة التى تكتب تاريخها على السور <<

<< يا سادة.. فصول الرحلة كانت ديار بكر، المدينة التى تحيط بها أسوار بازَلْتية سوداء هى الثانية عالميًا بعد سور الصين.. هناك، عند السور العظيم المطلّ على نهر دجلة، شعرت أننى أقف على حافة تاريخ ممتد لا ينتهى.. كانت المدينة صاخبة، مليئة بالحياة.. أسواقها تنبض بقوة، ومقاهيها مزدحمة بأحاديث الناس، لكن كل شىء فيها يذكّرك بأنك فوق أرضٍ مرّت عليها جيوش وحضارات وملوك وأنبياء.. فى تلك اللحظة، بدا لى أن ديار بكر ليست مدينة تُزار.. بل مدينة تُقرأ.

<< همسة طائرة <<

<< يا سادة.. بلاد الرافدين.. رحلة داخل الذات فلم تكن هذه الرحلة مجرد انتقال بين أربع مدن تركية، بل كانت دخولًا إلى قلب قصة الإنسان الأولى. كل مدينة من هذه المدن أعادت تعريف علاقتى بالمكان والزمن والهوية.. اكتشفت أن الصحافة ليست فقط بحثًا عن معلومة أو توثيقًا لحدث، بل قد تكون أحيانًا رحلة داخل الذات، لا تقل عمقًا عن قراءة مخطوطة قديمة أو الوقوف أمام معبد عمره عشرة آلاف عام.

غادرت بلاد ما بين النهرين وأنا أحمل يقينًا واحدًا:

أن الإنسان منذ بداية الخليقة وحتى اليوم يترك أثرًا، ويبحث عن معنى.. وهذه الأرض تحتفظ بالمعنيين معًا.

<< يا سادة.. بين المدن التركية الأربع ينبض تاريخ بلاد الرافدين من جديد.. رحلة عبر الزمن رويتها لكم بين الأثر والناس وضوء الحضارة.